.:Ƹ̵̡ӝ̵̨̄ʒ:. منتديات طلبة جامعة منتوري قسنطينة .:Ƹ̵̡ӝ̵̨̄ʒ:.
بســـمِ آلله الرحمآن الرحيم
السلآم عليكم ورحمة الله وبركآته
نتـمنى لكـــ قضـآء ـأوقـآت ممتــعه و مفيده معنـآ
ـإستمـتع برفقتنـآ وـاستفيد من مواضيعنا وأفيد
في منتدـآنـآ ـالرـآئع و ـالمتألق
منتـديـآت ♥ طلبة جامعة منتوري قسنطينة ♥
شكـرـآ لـزيـآرتنـآ
وشكرا لاشتراكك معنا....
اضغط على التسجيل اذا كنت / ي غير مسجل/ة
و على دخول اذا كنت عضو/ة

.:Ƹ̵̡ӝ̵̨̄ʒ:. منتديات طلبة جامعة منتوري قسنطينة .:Ƹ̵̡ӝ̵̨̄ʒ:.

منتديات طلبة جامعة منتوري قسنطينة - الجزائر
منتدى الطلبة الجزائريين و العرب

 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
ساعــة المنتدى
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» عاجل للطلاب الجدد تخصص هندسة معمارية وعمران
أمس في 14:59 من طرف bilalrindo

» افيدونا الله يفيدكمم
أمس في 14:47 من طرف bilalrindo

»  أحداث 1934 بقسنطينة ، و علاقتها بالقضية الفلسطينية.
الإثنين 28 يوليو 2014 - 14:19 من طرف majdi303

» اللهم لا ترفع لليهود في القدس رايه،
الأحد 27 يوليو 2014 - 19:38 من طرف hassane1984

» اكتشاف علمي في سورة يوسف!
الأحد 27 يوليو 2014 - 19:36 من طرف hassane1984

» البنتُ الـــــوفيةْ
الأحد 27 يوليو 2014 - 19:30 من طرف hassane1984

» يارب عجل بالنصر لاخوتنا في غزة
الأحد 27 يوليو 2014 - 19:27 من طرف hassane1984

» ساعدوني بارك الله فيكم
الأربعاء 23 يوليو 2014 - 21:18 من طرف hassane1984

»  اعترافات زوجة قبل ما تموت لزوجها
الثلاثاء 22 يوليو 2014 - 12:09 من طرف Ninjaa1

» ماجيستار/20122011
الإثنين 21 يوليو 2014 - 16:52 من طرف Ninjaa1

» مصطلحات في البناء Construction Terms
الأحد 20 يوليو 2014 - 2:54 من طرف mahmoudb69

» الله اكبر الله اكبر يا رب انصر المقاومة
السبت 19 يوليو 2014 - 15:38 من طرف hassane1984

» حقيقة مرة
السبت 19 يوليو 2014 - 12:45 من طرف Ninjaa1

» ارجو المساعدة عاجلة
السبت 19 يوليو 2014 - 12:27 من طرف Ninjaa1

» في غزة فقط
السبت 19 يوليو 2014 - 12:05 من طرف hassane1984

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
hassane1984 - 6826
 
وائل فلسطين - 3765
 
الخنساء - 2815
 
Ninjaa1 - 2403
 
الجزائر اسمي - 2385
 
Kenza Dk - 1948
 
القناص - 1781
 
lilia-labesta - 1423
 
ميسم - 1355
 
imene hanena - 1271
 
مركز لرفع الملفات و الصور على الأنترنت
nwail
ساعــة المنتدى
شاطر | 
 

 الدولة الرستمية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مي
طالب(ة) جديد(ة)
طالب(ة) جديد(ة)


انثى
عدد المساهمات : 7
العمر: 10
تاريخ التسجيل: 17/06/2010
السٌّمعَة: 1
نقاط: 1515

مُساهمةموضوع: الدولة الرستمية   الأحد 11 مارس 2012 - 14:12








بحث حول الدولة الرستمية






المبحث الأول:نشأة الدولة الرستمية


المطلب الأول : نشأتها وموقعها


تنسب إلى عبدا لرحمان بن رستم الفارسي الإباضي كان تابعا للزعيم الإباضي أبي الخطاب , وتم قتل الإمام أبا الخطاب بع د تعرضه لمعركة سنة 144 للهجري وبلغت هذه الأنباء عبدا لرحمان بن رستم , وبعدها فرّ إلى القيروان ليتحصّن بها فامتنعت عليه واتجه إلى المغرب واقبل إليه أنصاره ن كل مكان وتقوّى جانبه1) ورأى عبد الرحمان بن رستم بعد مبايعته بالإمامة أن يتخذ لنفسه عاصمة يباشر منها مهام الحكم , وكان عليه أن يوفر لهذه العاصمة كل عناصر الأمن والرخاء لذا فقد استعان بأهل العلم والخبرة بالأرض وطاف الجميع إنحاء البلاد يبحثون عن مكان يصلح لبناء العاصمة حتى استحسنوا موضع تاهرت واختير هذا الموقع لبعده عن الخطر العباسي وهي منطقة غنية اقتصاديا فهي تشتهر بمراعيها الواسعة وثرواتها الزراعية المتنوعة ويرجع ذلك لكثرة مصادر المياه وتنوعها في المنطقة وكان لذلك أثره في دعم اقتصاديات الدولة2) وتم تأسيس مدينة تاهرت سنة 144 للهجري وانشأ بها مقر دولته الرستمية(3.
وتقع تاهرت في مكان يتوسط التل والصحراء , قد حقق لها ذلك السيادة على المنطقة السهوبية الشاسعة وما بها من طرق تجارية تمتد غربا إلى المغرب الأقصى وجنوبا إلى قلب إفريقيا عبر الصحراء الكبرى ثم هي تشرف من موقعها على الطريق المار من منطقة التلول إلى أسفل وادي الشلف المؤدي إلى البحر ويحد الدولة الرستمية مملكة الاغالبة شرقا والادارسة غربا وشمالا والصحراء جنوبا وأحيانا يمتد جذورها ويتسع نفوذها فيصل حكمه إلى طرابلس(4



............................................
1- رابح بونار (1923 -1974), المغرب العربي تاريخه وثقافته, ط ,3 دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع, الجزائر ,ص 27
2- محمد عيسى الحريري, الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس ( 160-296ه),ط 3 , (1408هـ – 1987م) , دار القلم للنشر و التوزيع , الكويت , ص 95-96
3- المرجع نفسه , المغرب العربي تاريخه وثقافته.
4- المرجع نفسه ص 28.





المطلب الثاني: مؤسسها وأئمتها



اجمع المؤرخون على أن عبدالحمان بن رستم من أصل فارسي , كان جده بهرام من موالي عثمان بن عفان1)
ومنهم ن يرفع نسبه إلى ملوك الفرس القدماء ويذكر أن أباه رستم قدم من العراق إلى مكة وبصحبته زوجته وابنه
عبد الرحمان لأداء فريضة الحج فمات , فتزوجت امرأته برجل من أهل القيروان حملها وابنها عبد الرحمان معه عند عودته إلى بلده2) , وتربى عبد الرحمان بن رستم بالقيروان ودرس على يد كبار علمائها , ومال إلى تعاليم الخوارج
ووقع تحت تأثير سلامة بن سعيد الذي يدعو إلى مذهب الاباضية ولما بلغ سن الشباب رحل إلى البصرة مع بعض إخوانه من المغاربة وهم : عاصم السدراتي وابوداود القبلي النغزاوي وإسماعيل بن ضرار الغدامسي وانضم إليهم
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعارفي3) وكان ذلك عام 135 للهجري , حيث اخذ الفقه الاباضي وتشبع بمبادئه واجتهد فيه على يد شيخ الاباضية الفقيه ابوعبيدة مسلم بن أبي كريمة , حتى صار احد حملة المذهب الاباضي إلى افريقية4) وكلهم حماسة لإنشاء دولة على مذهبهم الاباضي , وتمت مبايعة أبي الخطاب بالإمامة وتمكن الاباضية من الاستيلاء على طرابلس واتخذوها مقرا لهم واختار أبو الخطاب عبد الرحمان بن رستم رفيقا له بأعلم قاضيا بطرابلس ثم شاركه في معركته ضد رجال ورفجومة الصفرية لتخليص مدينة القيروان,حيث نجح في سنة 141 هـ – 758م من تحريرها من أيدي الصفرية المتطرفين الذين استباحوها , ثم عهد إلى عبد الرحمان بن رستم بولايتها , وبقي عبد الرحمان فيها إلى إن قدم محمد بن الأشعث بالقوات العباسية وخرج إليه أبو الخطاب بجيش كبير , وعسكر بهم عند ارض سرت وإمام هذه الكثرة الهائلة




..............................................
1- ابوعبيدة البكري, المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب من كتاب المسالك والممالك , الجزائر نشر دي سلان
1857 , ص 67
2- عبد العزيز سالم ,تاريخ المغرب في العصر الإسلامي , الإسكندرية مؤسسة شباب الجامة , د.ت,ص452.
3- نهلة شهاب احمد , تاريخ المغرب العربي , عمان 2010 ,ط1 ,ص 204.
4- موسى لقبال , المغرب الإسلامي , الجزائر 1984م ,ط3 ,ص 16




أحجم ابن الأشعث عن لقاء الاباضية فتظاهر بالانسحاب إلى مصر ثم هاجم معسكر ابن الخطاب فجأة في صفر سنة 144 للهجرة الموافق لسنة 761للميلاد , فانهزم الاباضية وقتل ابوالخطاب1) , وكان عبد الرحمان بن رستم يتأهب لنجدة أبي الخطاب, فسمع هو
في طريقه إليه نبأ هزيمة الاباضية ومقتل أبي الخطاب فعاد أدراجه ومضى إلى المغرب
الأوسط حيث لايصل نفوذ العباسيين وحيث يتركزانصار الاباضية وهذا ما مكنه من تأسيس دولة الاباضية 2).
أئمتها : كان أمراء هذه الدولة يسمون الأئمة , والمعتقد الاباضي لا يحصر الإمامة في أسرة واحدة ولكن أعيان تاهرت رأوا أن يحصروها في أسرة عبد الرحمان بن رستم حتي
لايحصل تنافس بين القبائل وكان دستورهم هو العمل بإحكام القرآن والسنة النبوية والسلطة تكون بيد الرئيس الذي يلقب بالإمام وله أعوان يساعدونه على ذلك وأشهر أمرائهم هم :
1- عبد الرحمان بن رستم ( 144-168 هـ) وهو الأمير المؤسس لهذه الدولة ويعود أصله إلى فارس .
2- عبد الوهاب ( 168-188هـ) بويع بعد وفاة أبيه عبد الرحمان, ووقعت فتن في عهده حيث تمكن من إخمادها بدهائه وسياسته .
3- افلح بن عبد الوهاب ( 188-238هـ) بويع بالإمامة وكان صاحب نفوذ قوي وكانت تاهرت في أيامه هادئة مزدهرة 3)






............................................
1- المرجع السابق ,تاريخ المغرب العربي , ص 205
2- المرجع السابق ,تاريخ المغرب في العصر الإسلامي, ص 451-452
3- المرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته ,ص28







4- ابوبكر بن افلح (238-241هـ) بويع هذا الأمير من قبل قبيلة نفوسة إحدى قبائل تاهرت ذات نفوذ سياسي ولم يبايعه غيرها , وكان أديبا فقيها غير مهتم بالناحية السياسية بل ترك أمرها لأخيه أبي اليقظان وصهره محمد بن عرفة
5- ابواليقظان محمد بن افلح (241-281هـ) كان قبل توليته الإمامة قد ذهب إلى الحج في أيام والده فسجنه الواثق الخليفة العباسي مع أخيه المتوكل , بعدها سمح له بتولي الإمارة وبقي أربعين سنة بعدها توفي سنة 281هـ
6- ابوحاتم يوسف (281-294هـ) كان كثير المروءة واسع الإحسان محبوبا لدى العامة وبعد مبايعته اضطربت عليه الأمور وقتل سنة 294هـ
7- اليقظان بن أبي اليقظان (294-296هـ) بويع بعد مقتل أخيه أبي حاتم ولم يتمتع بالملك طويلا وقتل سنة 296 هـ1)





المطلب الثالث : نظام الحكم والإدارة



اتسم نظام الحكم في مطلع الدولة الرستمية بالبساطة الشديدة فاتخذ حاكم الدولة لنفسه
لقب إمام , وأصبح رئيس الدولة مصدرا لجميع السلطات دينية كانت أم سياسية ويظهر ذلك من خلال حوار البيعة الذي دار بين رؤساء الاباضية وشيوخهم وبين عبد الرحمان بن رستم , وقد راعى رؤساء الاباضية وشيوخهم عندما اختاروا عبد الرحمان بن رستم
إماما للدولة كل القواعد التي قننت في المذهب الاباضي حول اختيار رئيس الدولة وطبقوا شروط البيعة تطبيقا يكاد يكون حرفيا واتفق رأي الرؤساء على عبد الرحمان لكونه من حملة العلم ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل ويبدو أن فقهاء الاباضية ارادو أن يضعوا شروطا مثالية لاختيار إمام دولتهم والعلم شرط أساسي يجب توفره في الشخص المترشح للإمامة 2)



..... .. ......................................
1- المرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته , ص 29 .
2- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية ,ص 224.




وتعني هذه القواعد السابقة تطور واضح في بناء الفكر السياسي للخوارج في بلاد المغرب فقد تطرق إلى مبدأ الانتخاب العام الذي اشتهرت به الخوارج , بعض المؤثرات كتسلل فكرة التعيين او الوصية التي ازدهرت في المشرق الإسلامي لدى الشيعة الى نظام الحكم في الدولة الرستمية فبدأت هذه المؤثرات بسيطة في ذهن الاباضية متمثلة في ان عبد الرحمان بن رستم كان عاملا لأبي الخطاب على القيروان في افريقية وتطورت هذه الفكرة إلى أن أصبحت في الدولة الرستمية فكرة توريث مطلق وذلك يؤكد فكرة التوريث والتعيين على مبدأ الانتخاب العام , ويعني التغلب على الطابع الديني في نظم الحكم الرستمية وتحول الإمامة الرستمية إلى سلطة مركزية أشبه ما تكون بالملكية المطلقة , فعبد الرحمان بن رستم حين أحس بدنو اجله اقتدى بالخليفة عمر بن الخطاب فاختار سبعة من كبار رجال دولته من أهل التقوى والصلاح وكان من بينهم ابنه عبد الوهاب وأوصاهم بالاجتماع والتشاور لاختيار إمام من بينهم . وكان الاحتفاظ بأبناء البيت الرستمي على رأس هذه الدولة سبيلا إلى احتفاظهم بمكانتهم , والملاحظ انه في عصر الأئمة الرستميين الأقوياء حرص هؤلاء على التعيين أو الوصية لأبنائهم , فعبد الرحمان بن رستم عين ولده عبد الوهاب ضمن السبعة المرشحين للإمامة , وعبد الوهاب أوصى صراحة بالإمامة لابنه افلح , أما في عهد الأئمة الضعاف فلم يعد الامر في حاجة إلى الوصية أو التعيين لان الأمر كان بيد القبائل وجماعات العجم والفرس وأخذت الدولة الرستمية منذ قيامها بالأساليب المعروفة لإدارة الدول وان غلب على هذه الأساليب طابع البساطة وأوضاع القبائل التي حكمت الدولة التي والذي غلب على معظمها الطابع البدوي ,فقد وضع عبد الرحمان بن رستم نظاما بسيطا للقضاء والشرطة وجباية الأموال والصدقات , وسار الرستميون على سنن المشارقة في كافة النظم الإدارية الأخرى التي تكفل بضبط الأمور في دولتها فانشأوا جهازا للشرطة يقوم بأعمال الحراسة والمحافظة على الأمن وأقاموا نظاما يتمتع القضاة في ظله بالنزاهة التامة وحظوا بالاحترام الكامل من قبل الأئمة حيث لم يسمح هؤلاء القضاة لأحد بان يتدخل في شؤونهم , وفضلا عن ذلك اتخذ الرستميون الوزراء والكتاب والحراس ونظام السجلات والخاتم كلها نظم ورسوم تأثرت إلى حد كبير بالتقاليد الفارسية في الإدارة والحكم ومن أشهر الوزراء الذين تقلدوا هذا المنصب السمح بن أبي الخطاب ومحمد بن عرفة1)




................................
1- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية ,ص 225-230



المبحث الثاني إجازاتها الاقتصادية والفكرية


المطلب الأول : الجانب الاقتصادي



شهدت بلاد المغرب الأوسط في عهد الدولة الرستمية ازدهارا تجاريا كبيرا ونموا عظيما في حركة الاقتصاد حيث ساعد على استقرار هذه المناطق تحت حكم الرستميين
على ازدهارها بعد معاناتها زمنا طويلا من عدم الاستقرار الاقتصادي بسبب الاضطرابات , وباستقرار الأوضاع السياسية سارت عناصر الحياة الاقتصادية الزراعة والصناعة والتجارة في طريقها نحو التحسن حيث كان يمتلك الرستميون مجالات ضخمة من الأراضي الزراعية وتوفرها على الوديان ومجاري المياه التي تحيط بعاصمتها تاهرت , وكانت أهم المزروعات التي جادت في المنطقة الكتان والسمسم والحبوب , ونشطت الزراعة أيضا في الواحات والمدن الصحراوية فاشتهرت واحة
ورجلان بغابات النخيل الواسعة وانتشرت النطاقات الرعوية الشاسعة التي دعمت اقتصاد الدولة بثروة حيوانية وفيرة , أما بالنسبة للصناعة هي الأخرى في المجتمع
الرستمي لتلبي حاجات أفراده , وكان توفر مواد الخام اللازمة لمختلف الصناعات
أثره في وفرتها فاشتهرت بصناعة المنسوجات على اختلاف أنواعها الصوفية والكتانية والحريرية لتوفر خامات الصوف والكتان من المراعي والمزارع , واشتهرت قابس بصناعة دبغ الجلود كما تعددت المناجم التي أمدت الصناع بحاجاتهم ولوازم صناعتهم
ففي جبل ارزو توفر معدن الحديد وخشب العطور , وعرف الرستميون الطواجين وصناعة الأواني الفخارية والخزف وخاصة ما كان يستعمل من هذه الأواني لغرس الأزهار, وقام الرستميون بدور بارز في مجال التجارة حيث لم تعق الخلافات السياسية والمذهبية بين الرستميين وجيرانهم حركة التجارة ,ومما أعطى دفعة قوية في هذا المجال وقوع عاصمتهم على طريقين من أشهر الطرق التجارية , طريق الشرق والغرب , وطريق الشمال والجنوب , إذ هيأ لها ذلك أن تكون مركزا للتبادل التجاري بين بلاد السودان والمغرب والمشرق وسواحل البحر المتوسط 1)




................................................
1- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية , ص 231-232.





وكانت تاهرت مركزا تجاريا داخليا وكانت ابرز العلاقات التجارية في عهد الرستميين قائمة بينهم وبين الأمويين والأندلس والسودان , حيث قام الرستميون بدور الوسيط التجاري بين الطرفين
واهم البضائع التي يصدرها الرستميون إلى الأندلس هي الحبوب وأشهر السلع التي نقلها الرستميون من بلاد السودان الذهب و العاج وريش النعام وجلود الحيوانات
وقد جعلت هذه الحركة التجارية النشطة من تاهرت عاصمة فذة متألقة بين حواضر المغرب الكبرى .





المطلب الثاني : الجانب الفكري

ارتبطت الجانب الفكري في عصر بني رستم ارتباطا كبيرا بالمذهب الاباضي , وإذا كان داعية الاباضية الأول سلمة بن سعيد قد تكمن من اختيار أربعة من معتنقي أفكاره
الاباضية وأطلق عليهم اسم حملة العلم ووفدت هذه الجماعة إلى البصرة لتلقي العلم
على يد داعية الاباضية الأكبر أبي عبيدة بن مسلم بن أبي كريمة, حين عودة هذه الجماعة إلى بلاد المغرب بدأت في نشر ثقافة المذهب الاباضي في حلقاتهم , حيث انتشرت في جهات المغرب الادنى وافريقية , ولقن حملة العلم أتباعهم علم الأصول والفروع والسير والتوحيد والشريعة وعلوم اللغة والفلك والرياضيات , ومنذ ذلك الوقت طغت شؤون الدعوة الاباضية على الحياة الفكرية في بلاد المغرب الأوسط
وخلقت مجالا عظيما للتنافس بين إتباع المذهب الاباضي وبين الفرق والمذاهب الأخرى
كالسنة والمالكية والمعتزلة والشيعة وقد أفسح الرستميون المجال لهذه الفرق والمذاهب فعقدت المناظرات بين علماء الاباضية والمعتزلة , وقد أدى نشاط الحركة الفكرية على هذا النحو إلى أن يتجه الرستميون إلى توثيق علاقتهم الثقافية بمختلف البيئات العلمية
والاحتكاك بمراكز الثقافة سواء في المغرب والأندلس أو في المشرق1)



............................................
1- المرجع السابق , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية , ص 233-236




كما حرص بنو رستم على تأسيس مكتبة ضخمة أطلق عليها اسم المعصومة حوت على ثلاثمائة ألف مجلد في مختلف أنواع العلوم والفنون والآداب وقد قام الشيعة بحرقها لتدمير كل اثر للفكر الاباضي المعادي لهم كما كرس الأئمة الرستميين حياتهم لنشر العلم في المجتمع الاباضي وكان العلم شرطا أساسيا لتولي الإمامة , وكان بعضهم و يقوم بالتدريس في جامع تاهرت , كما اشتركوا في حركة التأليف فنبغ عدد كبير من
العلماء في العصر الرستمي , وكان شيوخ المذهب منهم يمثلون فئة اجتماعية ذات شأن كبير في تاهرت , كما شاركت المرأة الرستمية في الحركة الفكرية فكانت أخت الإمام
افلح بن عبد الوهاب عالمة بالحساب والفلك .
ومن المراكز العلمية الهامة في الدولة الرستمية غير تاهرت مدينة شروس ومدينة جادو
وقرية اجناون وجزيرة جربة , وقد أتاح تعايش العلماء على اختلاف مذاهبهم وأفكارهم
في تاهرت الفرصة لتكوين مدرسة لها معالمها الخاصة وسماتها الواضحة في تاريخ الفكر الإسلامي في بلاد المغرب1)
أصبحت بذلك عاصمة للعلم والفكر والثقافة تشع بنور علمها على شمال إفريقيا وغربها وشرقها وفي جنوب شبه الجزيرة العربية2) , والحضارة الرستمية العربية قد تأثرت بحضارات فارسية و فينيقية سابقة 3





.......................................
1- المرجع نفسه ص237-238
2- صالح فركوس , المختصر في تاريخ الجزائر من عهد الفنيقيين الى خروج الفرنسيين 814 ق م -1962م , دار العلوم للنشر والتوزيع , ص58 .
3- الرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته , ص 33.



المبحث الثالث : علاقتها بجيرانها وأسباب سقوطها


المطلب الأول : علاقتها بجيرانها



كانت علاقة الدولة الرستمية مع الخلافة العباسية متوترة حيث انه بعدما انشأ عبد الرحمان بن رستم دولته الفتية واختار لها موقعا حصينا لم يحاول ولاة افريقية مهاجمتها بعد ابن الأشعث الذي رفع الحصار على جبل بسوفجج معقل عبد الرحمان
بن رستم سنة 144 هـ الموافق 761م وعلى الرغم من تمكن عمر بن حفص من إنزال الهزيمة بجيش ابن رستم بالقرب من تهودة سنة 151هـ الموافق ل 768 م , فانه
لم يفكر بعد في مهاجمة تاهرت , فعاد إلى القيروان وبمرور الزمن استطاع عبد الرحمان
بن رستم أن يثبت أركان دولته , فهابه روح بن حاتم ورغب في مهادنة بن رستم فهادنه
سنة 171 هـ الموافق ل 787م , كما وادع ابنه عبد الوهاب من بعده1)
ولما قامت دولة الاغالبة استمر الهدوء سائدا بين تاهرت والقيروان حتى عكره عبد الوهاب بن رستم عندما هاجم طرابلس سنة 196هـ الموافق 811م على أن الهدوء
الذي ساد العلاقات بين الطرفين خلال هذه الفترة , لايعني أن العباسيين قد غيروا من موقفهم تجاه الرستميين فلم تتوقف محاولاتهم الرامية إلى القضاء على الخوارج في المغرب الأوسط , على الرغم من أن هذا الهدف أصبح من أولى مهمات الاغالبة الذين أقاموا دولتهم بدعم وتأييد من الخلافة العباسية ليقفوا في وجه أعدائها ويحاولوا دون تقدمهم نحو الشرق , وقد حرصت الخلافة العباسية على إثارة المشاكل في وجه الدولة الرستمية في تاهرت وشجعت حركات التمرد ضدهم كما حدث في عهد افلح بن عبد الوهاب , وبالمقابل فان سياسة الرستميين وأهدافهم التوسعية في المغرب لا تحتاج إلى دليل فقد قاموا بفرض نفوذهم على المناطق المجاورة لطرابلس , كما قاموا بإحراق
المدينة العباسية التي بناها محمد بن الأغلب سنة 227هـ الموافق 841م , كما حرصوا على اثارة القلاقل في وجه أمراء القيروان وعقد المحالفات مع الأمويين في الأندلس 2)




.....................................
1- عبد العزيز سالم ,تاريخ المغرب في العصر الإسلامي , الإسكندرية مؤسسة شباب الجامة , د.ت,ص481
2- نهلة شهاب احمد , تاريخ المغرب العربي , عمان 2010 ,ط1 ,ص 211





أما عن علاقة الدولة الرستمية مع دولة بني مدرار فقد التقت أهدافهما في عدائهم المشترك
للخلافة العباسية وتوطدت بينهم المودة والصداقة وزادت هذه الروابط وثاقة وإحكاما منذ أن زوج اليسع بن اليابس ,ابنه مدرار من أروى ابنة عبد الرحمان بن رستم 1).
وبالنسبة لطبيعة العلاقات بين الادارسة والرستميين فان الاختلاف المذهبي والعداء التقليدي الموروث بين العلويين والخوارج كان من اهم عوامل التوتر بين الدولتين,هذا فضلا عن العامل الجغرافي الذي أسهم في حدة الخلاف بين الرستميين والادارسة حيث كانت حدودهما متداخلة مما جعل من الصعوبة تحديد انتماء بعض القبائل التي كانت تعيش تارة في كنف الدولة الرستمية, وتارة أخرى تحول انتماؤها
إلى الادارسة , وقد لعبت تلمسان دورا مهما في النزاع بين الرستميين والادارسة
بسبب موقعها الاستراتيجي على الحدود الذي أصبح موضع تنافس بين الدولتين
كما اتسمت العلاقة بين الدولة الرستمية والدولة الأموية بالأندلس بأنها علاقة مودة وصداقة على الرغم من الخلاف المذهبي بين الدولتين إذ أن ثمة أسبابا وراء ذلك
وهي العداء المشترك لكلا الدولتين للخلافة العباسية فضلا عن ذلك قيام دولتي الاغالبة والادارسة في المغربين الأدنى والأقصى,قد أغلق المغرب بوجه الأمويين في الأندلس لذلك حرصوا على توثيق علاقتهم مع الرستميين في تاهرت مستهدفين من وراء ذلك إضعاف أعدائهم الادارسة من جهة,وتامين استمرار اتصال الأندلس بالمشرق من جهة أخرى.وقد انعكست علاقة الصداقة والمودة بين الدولتين على الناحية الاقتصادية التي شهدت نشاطا ملحوظا خلال هذه الحقبة,وتعبيرعن علاقات المودة والصداقة بين الدولتين تبادل الطرفان الهدايا النفيسة,وقد بلغت العلاقات بين الدولتين ذروتها في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن افلح الذي قامت بينه وبين الأمير محمد بن عبد الرحمان بن الحكم علاقات متينة فكان ابواليقظان لايقدم ويؤخر في أموره ومعضلاته إلا عن رأيه(2).





.................................................
1- المرجع السابق , المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب من كتاب المسالك والممالك , الجزائر نشر دي سلان
1857 , ص 149 .
2- المرجع السابق , تاريخ المغرب العربي , ص 212-213




المطلب الثاني : أسباب سقوطها


لم يتمتع اليقظان في عهده طويلا حيث غمرته الفتن السياسية المائجة والأحوال المتدهورة وزحفت عليه جيوش الشيعة الفاطميين في سنة 296 ه فقتلته في طائفة من أفراد أسرته , وبقتله انقرضت هذه الدولة من تاهرت والتجأ باقي أفرادها إلى الصحراء وأسباب ضعف هذه الإمارة إلى اختلاف شيعتها واشتداد روح العصبية لقبائلها كما تعود تمكّن الخلافات المذهبية في رعاياها فقد كان فيها اباضية وصفرية وسنية وغيرها (1) حيث لما جاء الشيعة إلى تاهرت وجدوا المدينة فاقدة لكل قوة , على أن قوة الشيعة الجارفة كانت من اكبر عوامل انقراضها وانقراض جميع الإمارات الصغيرة والدويلات بافريقية والمغرب وغيرها (2) والخلاف والشقاق بين أئمتها على الحكم أخذت بذلك الدعوة الشيعية تنتشر لصالح العبيديين الفاطميين , وانتهى أمراء الدولة الرستمية وتشتت الاباضية في كل مكان وعلى إثرها سقطت الدولة الرستمية بتاريخ 296هـ الموافق 909م (3).





.................................................. .......
1- مبارك الميلي , تاريخ الجزائر الحديث والقديم , ج 2 , الشركة الوطنية للنشر والتوزيع , الجزائر 1976م , ص64.
2- المرجع السابق , المغرب العربي تاريخه وثقافته , ص 29
3- المرجع السابق , المختصر في تاريخ الجزائر, ص 58.
قائمة المصادر والمراجع :
1- البكري ابوعبيدة , , المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب من كتاب المسالك والممالك , الجزائر نشر دي سلان 1857 .
2- بوناررابح (1923 -1974), المغرب العربي تاريخه وثقافته, ط ,3 دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع, الجزائر
3- الحريري محمد عيسى , , الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس ( 160-296هـ),ط 3 , (1408ه – 1987م) , دار القلم للنشر و التوزيع , الكويت.
4- سالم عبد العزيز , تاريخ المغرب في العصر الإسلامي , الإسكندرية مؤسسة شباب الجامة , د.ت
5- شهاب احمد نهلة , تاريخ المغرب العربي , عمان 2010 ,ط1.
6- فركوس صالح , المختصر في تاريخ الجزائر من عهد الفينيقيين إلى خروج الفرنسيين 814 ق م -1962م , دار العلوم للنشر والتوزيع.
7- الميلي مبارك , تاريخ الجزائر الحديث والقديم , ج 2 , الشركة الوطنية للنشر والتوزيع , الجزائر 1976م .
8- لقبال موسى , المغرب الإسلامي , الجزائر 1984م ,ط3 .








خطة البحث :
_المقدمة
المبحث الأول : نشأة الدولة الرستمية
المطلب الأول : نشأتها وموقعها
المطلب الثاني : مؤسسها وأئمتها
المطلب الثالث : نظام الحكم والإدارة
المبحث الثاني :
المطلب الأول : الجانب الاقتصادي
المطلب الثاني : الجانب الفكري
المبحث الثالث: علاقتها بجيرانها وأسباب سقوطها
المطلب الأول : علاقتها بجيرانها
المطلب الثاني : أسباب سقوطها



جامــــــــــــعة زيــــــان عاشـــــــور
كلية العــــلوم الإنسانية
قسم التاريــــــــــــخ
السنة الثالثة مقيـــــــــــــاس:
الفوج : 01 المغـــرب الإسلامي
بحث حول
الـــــــــــــــدولة الرستمـــــــــــــــية
إعـــــــــــــــداد : أستاذ المقياس :
- عروي فاطنة ربـــــــــــــــوح
- عمراوي حسينة
الموسم الدراسي
2011/2012



المقدمة :
عرف المغرب الاسلامي خلال ق2ه ظهورعدة دويلات مستقلة ,حيث ظهرت دولة الاغالبة في المغرب الادنى ودولة الادارسة بالمغرب الاقصى وظهرت الدولة الرستمية بالمغرب الاوسط ومن خلال بحثنا هذا نتطرق الى الدولة الرستمية فكيف نشات هذه الدولة ومن مؤسسها ؟وماهي اهم جوانب تطورها ؟ ولقد قسمنا بحثنا هذا الى ثلاث مباحث ,








منقول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مي
طالب(ة) جديد(ة)
طالب(ة) جديد(ة)


انثى
عدد المساهمات : 7
العمر: 10
تاريخ التسجيل: 17/06/2010
السٌّمعَة: 1
نقاط: 1515

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الرستمية   الأحد 11 مارس 2012 - 14:15






لمعلومات اكثر عن الدولة الرستمية اليكم هدا الكتاب

حمل كتاب الدولة الرستمية بالمغرب الاسلامى






هنا


تأليف : د محمد عيسى الحريرى


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مي
طالب(ة) جديد(ة)
طالب(ة) جديد(ة)


انثى
عدد المساهمات : 7
العمر: 10
تاريخ التسجيل: 17/06/2010
السٌّمعَة: 1
نقاط: 1515

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الرستمية   الأحد 11 مارس 2012 - 14:21




الجيش الرستمي.. دعوى الغياب ومقتضى الحضور





مقدمـة:
قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (سورة الأنفال: 60).
كانت الهزيمة في طبنة أمام عمر بن حفص سنة 155هـ/ 771 م (1) نقطة تحول بارزة في تاريخ قيام الدولة الرستمية، فقد رأى عبد الرحمن بن رستم (ت 171 هـ / 787 م) أن ينسلخ عن قوى الصفرية المتضاربة التي لا تجمعها أهداف واحدة، وفضل أن يعمل بمفرده معتمدا على نفسه وعلى التجمعات الإباضية التي تقف حوله في المغرب الأوسط.










ورغم أن الدولة الرستمية (160- 296 هـ) /(776 -909 م) حظيت بدراسات عديدة في المشرق والمغرب(2)، إلا أنه تبقى بعض القضايا التاريخية التي تخصها تحتاج إلى تسليط الضوء أكثر والبحث فيها، ومنها قضية غياب الجيش الرستمي المنظم والذي أدى إلي سرعة سقوطها في يد أبي عبد الله الشيعي الفاطمي.
حيث تعتبر هذه القضية محيرة فعلا، حركت في داخلي دافع البحث في الموضوع، لعلي أتوصل إلى نتائج تساهم في إثراء التراث الوطني وتغيير بعض الأقوال والآراء التي ألصقت في التاريخ الإباضي الرستمي.
وهنا يجدر بنا طرح إشكالية مهمة وهي لماذا لم يهتم الرستميون بالجيش رغم تكوينهم لدولة قوية سيطرت على أغلب المغرب الأوسط وجزء من الأدنى؟
وتندرج تحت هذه الإشكالية تساؤلات ذات دلالة، منها لماذا سكتت المصادر الإباضية عن إمدادنا بمعلومات عن جيش الدولة الرستمية؟ (3) وهو ما جعل بعض المستشرقين منهم ألفرد بل(4) وأندري جوليان(5) من أوائل المؤرخين الذين أشاروا إلى غياب الجيش الرستمي، وقد دفعا بالعديد من المؤرخين الحاليين إلى اتباعهما بل ومحاولة تفسير نظريتهما، كيف استطاعت الدولة الرستمية الحفاظ على كيانها مدة تفوق المائة والثلاثين سنة دون جيش؟ كيف حافظت على حدودها المترامية الأطراف حتى طرابلس؟ وكيف عقدت علاقات ندية ذات سيادة مع مختلف الدول المجاورة والمعاصرة لها إن كان ليس لها جيش وقوة تفرض ذلك؟
لهذا قسمت موضوعي إلى أربعة مطالب رئيسية، أولها: تقديم مختلف الآراء الواردة في هذا الشأن، مع رد صغير على بعضها إن تطلب الأمر ذلك، ثم تطرقت في المطلب الثاني إلى مقومات وشروط إقامة جيش قوي، وقد وجدناها متوفرة كلها في الدولة الرستمية، فما المانع إذن من وجود جيش منظم، أما في المطلب الثالث فقد غصنا في خبايا ومكونات هذا الجيش وأهم المعارك التي خاضها، مع ذكر بعض الخطط الاستراتيجية والعسكرية التي قام بها، وفي المطلب الرابع أبرزنا أسباب تدهور الجيش في عهد الأئمة الأواخر، وهو ما جعل أغلب المؤرخين ينكرون وجود الجيش، ثم ختمناه بملخص لأهم النتائج المتوصل إليها من خلال خاتمة.
أما المنهج الذي اتبعته، فقد حاولت استقصاء المعلومات، واستنتاج الملاحظات من خلال مختلف أقوال شهود العيان، خاصة ابن الصغير، دون إهمال المنهج التاريخي السردي لأهم المعارك والأحداث التي تخدم الموضوع.
ولهذا أفادني كتاب ابن الصغير «أخبار الأئمة الرستميين» كثيرا باعتباره عايش الأحداث، إضافة إلى باقي المصادر الإباضية والرستمية، كأبي زكرياء، والدرجيني والشماخي...
وقد واجهتني صعوبات عدة أهمها شح المعلومات الخاصة بالجيش والجانب العسكري الخاصة بالرستميين مما جعلني أتجه إلى الاستقراء والاستنتاج.



المطلب الأول: أهم الآراء التي وردت في الجيش الرستمي


إذا كانت العصور القديمة تميزت باستخدام تقنيات ووسائل بسيطة في الدفاع والجيش، فإن العصور الوسطى قد تميزت بالفروسية كأهم نظام عسكري في البداية، ثم كان لاكتشاف البارود(6) أثر بالغ في اختراع الأسلحة النارية والمدفعية، مما أدى إلى تطور أساليب القتال(7)، ومن هنا يجب حصر الفكر العسكري المتمثل في الجيش ومقوماته وتنظيمه وتركيبه في إطاره الزماني والمكاني، فلا يمكن أن نقول بأن دولة ما لا تملك جيشا أو عدة وعتادا إلا بالرجوع للمقارنة والاستقصاء الخاص بتلك الفترة والعصر.
وأول من أورد نظرية أو فكرة افتقار الرستميين للجيش هو ألفرد بل الذي قال: «ووسط الرخاء الذي ساد حولهم، وفي هدوء علوم الدين الأثيرة لديهم لم يعد الأئمة الرستميون في تاهرت يفكرون في الحرب، وفي النضال الذي أتى في هذه النواحي بالمؤسس الكبير لدولتهم، وهو ابن رستم، وأهملوا العناية بإعداد جيش يقدر ولو على الدفاع عن بلادهم وعاصمتهم، ولهذا انهارت هذه في سنة 296- 297 هـ /909 م حين هاجمتها جيوش الشيعة المبتدعة بزعامة الداعي أبي عبد الله الشيعي»(8).
ولكن المتمعن في كلامه يستشف منه تناقضا، حينما قال مفسرا سبب عدم تكوينهم للجيش، هو هدوء العلوم الدينية لديهم، فلم يصبحوا يفكرون في الحرب، ويقصد من كلامه أن الرخاء الاقتصادي جعلهم ينشغلون بالعلوم الدينية من تفسير وحديث وقرآن ويهملون القتال، رغم أن من مبادئ الدين الإسلامي الجهاد في سبيله، وهي المبادئ التي خرج من أجلها الخوارج في البداية أصلا(9) فكيف يتم الآن إهمالها بسبب الدين وهو العامل الذي دفعهم للخروج أول مرة.
وقد سار أندري جوليان على نهج ألفرد بل بقوله: «...ولكن رغم توالي الصدامات فإنه يبدو أن مجتمع تاهرت لم تغلب عليه النزعة الحربية، ذلك أن المعارك لا تسيل فيها الدماء كثيرة، فلا ملاحقة في الغالب للفارين ولا إجهاز على الجرحى، بل كان الخصوم يجنحون إلى التحكيم، وكان هذا ولا شك السبب في زوال مملكة بني رستم، ذلك أن الأئمة لم يوفقوا إلى تنظيم جيش عتيد، وما كادت جيوش الشيعة أن تشن هجومها حتى استولت على العاصمة من دون عناء»(10).
ونستشف من كلامه أن المجتمع التاهرتي الإباضي لم تغلب عليه النزعة الحربية، وهذا طبيعي لسببين: أن المذهب الإباضي مذهب معتدل سلمي يحرم الاعتداء على الأسرى والجرحى. والسبب الثاني: كون أغلب أئمة الرستميين من العلماء والفقهاء، لا من العسكريين الذين يعوضون النقص المعرفي بالقوة الجسدية، فتغلبت القوة العقلية على قوة السيف، وهذا كله لا يعطينا تفسيرا واضحا لأنه كم من عالم فارس، وكم من مجتمع مسالم إلا أنه لم يهمل إنشاء جيش قوي.
وأندري جوليان يجزم أن هذا السبب هو الذي دفع بالدولة الرستمية إلى الهلاك والزوال، حيث لم يوفق الأئمة الرستميون في تكوين جيش عتيد، وهنا نتوقف قليلا لوصفه هذا الجيش بالعتيد، فهي سنة الله في خلقه حيث كيف يطالب من دولة في أواخر أيامها من فوضى وصراعات على السلطة وتفرقة عصبية قبلية(11) أن يكون لها جيش عتيد، وهنا يلمح إلى أن الجيش كان موجودا لكنه ضعيف على حال الدولة وأيامها الأواخر.
أما الشيخ العلامة علي يحيى معمر النفوسي (ت 1400هـ/ 1980م) فيقول: «فالدولة الرستمية هي الدولة الوحيدة في ذلك الحين، التي ليس لها جند قابع في الثكنات، ينتظر التعليمات، ويحلم بالمكاسب والغنائم من وراء الحرب والغارات»(12).


ورغم أنه إباضي من معقلهم الأصلي جبل نفوسة إلا أنه أصدر الحكم بغياب جيش يتمركز في الثكنات وله تدريبات خاصة وراتب محدد يكفل به عائلته وحاجاته ما دام لا يعمل، بل عمله الوحيد هو التدرب والحفاظ على تركيزه ونشاطه العسكري، وهنا نريد أن نوضح أن أغلب الدول التي عاصرت الدولة الرستمية كبني مدرار أو الإدريسية وبرغواطة لم يكن لهم جيش نظامي متركز في الثكنات، باستثناء الدولة الأغلبية، إذن فهي حالة عامة ومظهر جلي على كل دويلات المغرب المستقلة.





المطلب الثاني: مقومات توفر جيش قوي:


ومن بين الأقوال التي وجدتها أقرب إلى الحقيقة قول شيخ بكري: «أن الرستميين لم يكن لهم جيش منظم في البداية، ولكن ابتداء من الإمام الثاني أصبحوا يملكونه، وإن كان صغيرا، ثم أن جيشهم لم يكن له دور بارز»)13(.


وهو قول مقبول حيث عندما نزل عبد الرحمن بن رستم من جبل سوفجج التفَّت حوله القبائل الإباضية، وشكل منها جيشا متطوعا، حيث يشير ابن الصغير عند حديثه عن وفد البصرة القادم على عبد الرحمن بالمساعدة المادية حيث قسموا الأموال، فجعلوا منه ثلثا في الكراع – يقصد به هنا الخيل – وثلثا في السلاح وثلثا في الفقراء(14). والسلاح والخيل دليل على وجود جيش؛ لأنه يعد الركيزة الأساسية التي تستند إليها الدول عادة في تثبيت كيانها ورعايتها، سواء على المستوى الداخلي بحفظ النظام ودفع السكان إلى الالتزام بالأوامر والقوانين التي تسيرهم، وعلى المستوى الخارجي بصد الأخطار التي تهددها، ورد الأعداء الراغبين في التوسع على حساب أراضيها.


لكن ابتداء من الإمام عبد الوهاب (171 – 211 هـ)/ (787 – 826م) أصبح الجيش النظامي موجودا رغم عدم وصوله مصاف الجيوش القوية إلا أنه استطاع أن يخمد كل الثورات التي ثارت ضده، حيث سمى ابن الصغير أتباع عبد الوهاب بالوهبية وقال: إنهم يسمون أيضا بالعسكرية وهم أهل العسكر، ويضيف أن جل من كان بتيهرت من النفوسيين يتسمون بهذا الاسم، فلا شك أن تكون هذه التسمية وظيفية وليست مذهبية، ويقصد بهم حماة الرستميين والإباضية، ولا أدل على ذلك من قول الإمام عبد الوهاب: «إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة»؛ فنفوسة إذن كانت جندا وعسكرا للإمامة الرستمية(15).
ويشير دائما ابن الصغير (كان حيا أواخر القرن 3هـ) إلى أن الإمام عبد الوهاب خرج بجيش من الإباضية عد في عسكره ألف فرس أبلق لقتال بني أوس من هوارة(16). ويضيف الدكتور إحسان عباس قوله: «أن الصبغة العسكرية غلبت على عبد الوهاب، لحاجته إلى القضاء على الفتن وتوطيد أركان الدولة، بل والطموح إلى التوسع الخارجي، حتى اجتمع له من الجيوش ما لم يجتمع لأحد قبله»(17).
وبالنسبة للدكتور بحاز في كتابه الدولة الرستمية، فقد مر على موضوع غياب الجيش مر الكرام بتكرار نفس كلمات من سبقوه بقوله: «ثم يضاف إلى هذا كله – يقصد أسباب سقوط الدولة – عامل فقدان الجيش المنظم، إذ إن الرستميين أهملوا هذا الجانب رغم الفتن والثورات والحروب التي مرت بهم، وبقوا طوال عهدهم يعتمدون على المتطوعين الذين يكونون غالبا من الإباضية»(18).
فهو يقر أن الدولة بقيت في حروب وفتن عكس ما ادعاه ألفرد بل وأندري جوليان بقولهما: إن الهدوء والاستقرار ساهم في الابتعاد عن الجيش، كما أن الدكتور بحاز يذكر بقاء الحروب والفتن(19) التي تتطلب وجود جيش يفرض النظام واستمرار الدولة فكيف يعقل أن تستمر الدولة كل هذه المدة في الفتن والحروب دون وجود جيش؟ .


أما محمد عيسى الحريري، فقد اكتفى بنقله كلام ألفرد بل وأندري جوليان، بقوله: «...عجز الرستميين عن اتخاذ خطوات عملية لإنقاذ نظامهم السياسي، لأن الرستميين لم يكن لديهم جيش ثابت يواجه هذه الأطماع، الأمر الذي دعاهم إلى اللجوء إلى الأساليب الملتوية كالتجسس(20)، وتقديم الرشاوى(21)، والخداع فضلا عن الاغتيال السياسي * »(22).
لكن ما يعاب على هؤلاء الكتاب الاعتماد على أقوال المستشرقين دون تحليل أو تمحيص فلا تخلو دولة من الدول سواء الحديثة أم القديمة من هذه المظاهر، وذلك من أجل تدعيم أركان الدولة وإزاحة كل المخالفين والمعارضين، وحتى هذه الأعمال لا تنفي وجود جيش نظامي للدولة قد يكون قليلا أو غير منظم بالشكل المطلوب لكنه موجود.
وحتى الدول المعاصرة للدولة الرستمية لم يكن لها جيش ثابت نظامي، باستثناء الدولة الأغلبية التي استمدته كونها الممثلة الوحيدة للخلافة العباسية ذات التراث الحضاري والعسكري القديم، فإذا نظرنا إلى دولة بني مدرار أو دولة الأدارسة، فلا وجود لجيش حربي نظامي بالمعنى الحقيقي، ولا يمكن أن نطلق حكم غياب الجيش الرستمي؛ لأن أبا عبد الله الشيعي دخل تيهرت وخربها دون مقاومة، لأن كل دويلات بلاد المغرب سقطت في يده وبكيفيات متقاربة رغم بعض المقاومات البسيطة، إلا أنه لم يتم الحكم على غياب الجيش الأغلبي أو الادريسي.
وكما هو معروف فنشأة الدولة عموما ليس سوى خطوة جديدة من خطوات عديدة في سبيل تحقيق الرفاه الحضاري من نشاط عمراني واقتصادي وحتى عسكري، فكيف بدولة نشأت على الجهاد(23) أن تتركه وتتلهى بالحياة؟!.


ومن أهم المعارك التي خاضتها الدولة الرستمية وترمز إلى وجود جيش منظم وقوي معركة طبنة سنة 155هـ/ 771م ضد عمر بن حفص(24) ومعركة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ضد يزيد بن فندين وأتباعه النكارية سنة 172هـ / 787– 788م(25) ثم ضد الواصلية من بني يفرن وبعض النكار، مع مساندة خارجية من الأدارسة، وكان ذلك سنة 173هـ/789م، حيث دارت بين الفريقين معارك كانت الحرب فيها سجالا بين الطرفين(26)، ثم حارب تجمعات قبائل مزاتة وسدراتة بعد تحريضهم من الواصلية(27)، كما حارب عبد الوهاب قبيلة هوارة عند نهر أسلان وانتصر عليها انتصارا كبيرا(28)، وحاصر طرابلس سنة 196هـ/ 811م، مما اضطر عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب إلى عقد صلح واعتراف بسيادة الرستميين على المناطق الداخلية من طرابلس(29) وغيرها من الحروب، مع العلم أن حروب الدولة الرستمية دفاعية أو تأديبية بقمع العصاة والمتمردين، فهي جهاد فيه أجر كبير، فكل الرعية ترغب فيها، وكل من يستطيع حمل السلاح يسارع إليها(30).
كما أنه كيف يعقل لدولة أن تصل حدودها لتشمل أغلب المغرب الأوسط وجزءًا من الأدنى دون جيش؟، بل أكثر من ذلك قاموا بتقسيم دولتهم إلى عمالات منها قفصة وسرت، ونفزاوة وقنطرارة، وجبل نفوسة، وقابس وجبل دمر....(31). كما وضع عبد الرحمن بن رستم نظاما للقضاء والشرطة وجباية الأموال(32)، وواصل على نهجه خلفاؤه من الأئمة حيث أسس الإمام أبو اليقظان (241–281هـ) / (855–894م) فرقة كاملة للقيام بأعمال الحسبة(33)، فكيف بدولة اعتمدت على أنظمة محكمة استمدت بعضها من الأنظمة الفارسية والأخرى من العربية لا تهتم بإيجاد جيش قوي يحمي هذه الدولة وهذه الأنظمة وهذه الحدود المترامية؟ .
وكيف للوالي العباسي في القيروان روح بن حاتم (ت 174هـ/ 791م)، أن يعقد معاهدة سلام وموادعة مع عبد الرحمن بن رستم عام 171هـ /787م(34) وهو ألد الأعداء له، إذا لم يكن قد أنس منه قوة تحميه وتحمي دولته، بل حرص على تجديد المعاهدة بعد وفاة عبد الرحمن بن رستم مع ابنه عبد الوهاب(35). ويضيف محمد عيسى الحريري: «وأصبحت الدولة الرستمية دولة قوية هابها جيرانها...»(36)، فالهيبة لا تأتي من فراغ بل من قوة يجسدها جيش قوي، كما يوضح محمد علي دبوز بقوله: «وكانت الدولة الرستمية أقوى دولة حربية في الجهة الغربية، فهي التي حمت الدولة الإدريسية، فلم يسر العباسيون للقضاء عليها، ولم يستطيعوا الدنو من حماها»(37).
فمن مقومات وجود جيش لدولة ما خلال أي فترة زمنية هو توفر العدة والعدد والمال(38)، إضافة إلى القيادة الحكيمة والظروف المتوترة وكل هذه المقومات موجودة في الدولة الرستمية.
فإذا بدأنا بالعدد والمقصود به توفر العنصر البشري، فنجد الجيش الرستمي تكونه مختلف قبائل التحالف الإباضي وأساسه في البداية لماية ثم نفوسة(39). ثم بقية القبائل الإباضية البربرية المتحالفة كلواتة وهوارة وزناتة، ومطماطة. فيقول محمد علي دبوز: «وكانت قبيلة لماية وحدها، وهي قبيلة متوسطة في المغرب الأوسط إذا استنفرت للحرب تجند ثلاثين ألف مقاتل منها، وكانت هوارة ولواتة ومطماطة وغيرها من القبائل الكبرى تجند في النفير العام أكثر من ذلك»(40).
أما بخصوص القيادة الشجاعة والحكيمة، وهذه صفة فطرية، وهبة من الله، تلعب الوراثة - كما يقول علماء النفس- دوراً كبيراً في نقلها من السلف إلى الخلف، وتعطيها لإنسان وتحرم منها آخر، وقد تتجلى الشجاعة في الجسد عند أناس، أو تتجلى في الرأي والفكر عند أناس آخرين، ولما كانت هذه الشجاعة فطرية فإن الأحداث والأيام والمعارك تنمِّيها وتصقلها. وممارسة الحرب، وخوض المعارك من شأنها أن تؤصل الشجاعة في الشجاع، وتؤكد فيه نزعة الإقدام، ومبارزة الخصوم، بقلبٍ جسور، وعزيمة صادقة(41)، وهذه الخصائص تركزت في عبد الرحمن بن رستم وفي أبنائه وأحفاده من بعده كعبد الوهاب وأفلح، خاصة حسن الوعي بالمهمة الملقاة على عاتقهم المتمثلة في الحفاظ على الدولة، وتوصيل رسالتها في الحفاظ على المذهب الإباضي.
وفي هذا الشأن يقول محمد علي دبوز: «وقد اشتهرت في كل عهودها برجال كانوا فرسان المغرب وأبطاله العظام، منهم أيوب بن العباس في زمن الإمام عبد الوهاب، والعباس بن أيوب ابنه»(42)؛ وقد حدَّث أيوب عن نفسه من غير مباهاة ولا مبالغة فقال: لا أعلم لي مقابلا يبارزني فيما بين مصر وفارس(43) يعني في المغرب الكبير كله، ومن فرسان المغرب في الدولة الرستمية أفلح بن عبد الوهاب، وقد بلغ من بطولاته وشجاعته أن انتزع دفة من باب تيهرت، حاول جمهور من أهل المدينة ردها في مكانها فلم يقدروا... ومن فرسان المغرب في الدولة الرستمية كذلك بكر بن يبيدي، وبكر بن عبد الواحد، وكان من جيش أبي حاتم آخر الأئمة الرستميين، قال ابن الصغير: «وكان الخارجون مع أبي حاتم حماة البلد منهم رجل يعرف ببكر بن يبيدي»(44).
ومن العناصر المدعمة أيضا لوجود الجيش هو انتشار الصناعات المكملة، أو ما يعرف بالتسليح الحربي، والتي لها علاقة بما يحتاجه هذا الجيش، ويقوم الإعداد المادي للجيش خلال هذه الفترة على أربعة أسس هي: العنصر البشري، المال والمواد من حديد وخشب(45).
وأغلب هذه المقومات موجودة عند الدولة الرستمية، حيث يوجد حدادون ماهرون سواء أكانوا محليين أم أندلسيين، اهتموا بصناعة السيوف والسهام والخناجر والدروع(46) وكان لتوفر المواد الخام اللازمة لمختلف الصناعات أثره في وفرتها، كما تعددت المناجم التي أمدت الصناع بحاجاتهم ولوازم صناعتهم، ففي جبل أرزوا توفر معدن الحديد والزئبق(47) كما توفر معدن الحديد بالقرب من وهران(48)، وحتى الصناعات الخشبية التي تميز بها شمال الدولة الرستمية مقارنة بجنوبها نظرا للطبيعة الجغرافية، ساهمت بشكل في تكوين قوة بحرية(49) أو مجموعة بحرية ولو بسيطة سواء لنقل الأشخاص بين سواحل الدولة أو نحو الدولة الأموية بالأندلس، أو في جزيرة جربة(50).
ولعل توسع الرستميين لرقعتهم الجغرافية شرقا، وضمهم لجبل نفوسة وجزء من طرابلس ساهم بقدر كبير في تموين الجيش عددا وعدة ومالا، وسمح لها بالاستفادة الدائمة من عديد الوسائل الحربية حتى الجديدة منها لانفتاح هذا الجزء على البحر وقربه من الدولة الأغلبية وكذا مصر.
إضافة إلى توفر الموارد المالية التي تدعم إنشاء جيش قوي من خلال التجارة المتطورة والرفاه الاجتماعي(51) الذي صبغ الحكام والناس خاصة بعد عبد الرحمن بن رستم، إضافة إلى الضرائب التي كانت تدفعها القبائل خاصة نفوسة – حصة الأسد – إلى بيت مال المسلمين(52)، جعلت الرستميين يشترون الخيول ليجعلوها من عتاد الحرب الذي يعتمد عليه جيشهم، ونستشف ذلك من قول ابن الصغير: «...قال: ثم جالت الخيول فكان قتال شديد له غبار سد ما بين الخافقين، قال: وعبد الوهاب ينظر يمينا وشمالا أو قلبا، فإذا صرف نظره ذات اليمين رأى فارسا فيقول: من الفارس هذا قد أجفل الناس؟ فيقال له ابنك أفلح»(53).
كما أن المساعدة المالية من قبل إباضية المشرق، حيث قال أبو زكرياء (ت 471 هـ / 1078 م) «...فأشاروا عليه أن يأخذها – أي المساعدة المالية – فيبثها في فقراء المسلمين وفي شراء السلاح والعدة...»(54).
وتستند الدولة الرستمية في إعداد جيوشها على اقتطاع جزء من ميزانية خاصة للتعبئة، فبحجم زيادة المداخيل أو نقصانها ينعكس على هذا الجهاز إيجابا أو سلبا، وبها تتحدد قوته وفعاليته.
ولا ريب أن الدولة الرستمية قد استغلت هذا الثراء، في سند الدعوة، بل تعدته إلى المجالات العمرانية كبناء المستشفيات(55)، والعسكرية مثل: الإنفاق في شراء الأسلحة وبناء الحصون وتسديد رواتب الجند(56). وأقول هذا على سبيل التقدير والاستنتاج لأن مصادرنا نفسها كانت صريحة في التحدث عن استغلال تلك الثروات الطائلة في الصراع بين فئات المجتمع التاهرتي.
أما الجو السائد في الدولة الرستمية فقد كان جوا متوترا في أغلب فترات الحكم كان يشجع على استمرار التفكير في إنشاء جيش قوي من خلال التوتر الذي كان في البداية مع الأغالبة(57) ثم المساندة الإدريسية لبعض المعارضة الداخلية(58)، أو الثورات المحلية ضد الحُكم أو لأسباب فقهية دينية(59) أو لأطماع سياسية أو اقتصادية كالسيطرة على أراضي الكلأ والرعي.




المطلب الثالث: تركيبة الجيش الرستمي





وبناء على كل ذلك يمكن أن نستنتج بأن الجيش الرستمي كان قوام تقسيمه لا يخرج عن النظام التقليدي الذي اعتمدته كل الدول الإسلامية المعاصرة لها سواء في المشرق أو المغرب، في تقسيم الجيش ثنائيا إلى قسمين:


أ- جيش نظامي:


قوامه العناصر التي اتخذت الجندية مهنة قارة، مشكلة بذلك النواة القاعدية للجهاز العسكري للدولة، ويقر الدكتور إحسان عباس بوجوده، لكنه ضعف في العهد الأخير للدولة بقوله: «ويبدو أن الجيش النظامي الذي كونه الإمام عبد الوهاب، كان قد ضعف أو مزقته الانتماءات المتضاربة»(60).
ونستشف من قول ابن الصغير في وصفه لازدهار بنيان تيهرت في عهد أفلح، بقوله: «وكانت العجم قد ابتنت القصور، ونفوسة قد ابتنت العدوة، والجند القادمون من إفريقية قد بنت المدينة العامرة اليوم»(61). فقد وصف مهنتهم بالجندية وهو دليل على وجود جيش نظامي ثابت، ليواصل ابن الصغير في وصفه لأحوال إمامة أفلح: «...وكانت الأجناد بطانة السلطان وأولاده وحشمه...»(62)؛ فهو يستدل بوجود جيش يحمي أسرار الدولة من خلال وصفه بالبطانة، وهي السريرة والأهل والخاصة، كما يقول في موضع آخر عندما يشرح سياسة أفلح وهي فرق تسد: «...فلما رأى ذلك أرشى ما بين قبيلة ومجاورها، فأرشى بين لواتة وزناتة وما بين لواتة ومطماطة وما بين الجند والعجم...»(63) وفي هذا الموضع أيضا يذكر الجند كوظيفة في الجيش، حيث بمرور الزمن انضاف إلى هذه الجيوش جند هاجروا من إفريقية(64).
فكانت القوات النظامية أساسها القبائل المستقرة بتيهرت وضواحيها كقبيلة لواتة، ولماية، وزناتة، ومطماطة، وهوارة إضافة إلى العجم(65) والعرب من الكوفيين والبصريين، وأهل إفريقية(66). ونفوسة المهاجرة ويقول محمد دبوز: «وكانت كل قبيلة تسلح نفسها، وتستعد للحرب، لتستجيب داعي الإمام إذا استنفرها، ودعاها لحروبه المشروعة»(67)، وهو دليل قاطع على وجود التسليح والتدريب في كل قبيلة واستعداد تام لأي حرب، وهو ما يرمز لوجود جيش نظامي.
ويلخص ذلك أستاذنا الكبير عبد الرحمن الجيلالي صراحة بأن الجيش الرستمي كان متكونا من العرب والعجم والبربر(68).
ويظهر أن العرب من خلال كتاب ابن الصغير قد مثلوا فئة في الجند، لكنه لا يوضح صراحة من أين جاء العرب، بل نفهم من ثنايا الكلام أنهم من الكوفيين والبصريين وأنهم أقاموا أحياء وأسواقا ومساجد خاصة بهم، ثم يتحدث عن أهل إفريقية وأنهم كانوا من الجند، ويربط في حديثه عن الفتنة- التي حدثت على عهد أفلح - دائما بين العرب والجند كأنهم فئة واحدة(69).
وبما أن الجيش يشكل من المجتمع التاهرتي، الذي هم نوعان، مستقرون داخل تيهرت ورحالة يقيمون خارج المدينة، وعلى رأس المستقرين قبيلة "نفوسة" التي مثلت في وقت من الأوقات العصب الأساسي للدولة، وأصلها من نفوسة الجبل هاجرت إلى تيهرت، أما قبيلة لواتة فمنذ مصاهرتها للإمام عبد الوهاب أضحت تلعب دورا مهما في الحياة السياسة(70)، إلى أن طردتها هوارة من مدينة تيهرت، فسكنت حصنا لها معروفا(71)، ونستنتج من هذا الحادث أن هوارة كانت خارج تيهرت ثم دخلتها، كما يتحدث ابن الصغير عن صنهاجة أنها كانت في صف العجم(72).



ب- جيش غير نظامي:


قوامه الرحَّل، وتمثله القبائل التي تقصد تيهرت وضواحيها لانتجاع الكلأ، في أيام الربيع(73) والمتطوعون، أو الأطراف المتحالفة مع الدولة من مختلف القبائل، فهم ينضوون تحت لواء التشكيلة العامة للجيش في حالة الحرب فقط، ويسرحون في حالة السلم(74)، وقد حدد ابن الصغير الرحَّل، فمنهم مزاتة وسدراتة حيث يقول: «إن قبائل مزاتة وسدراتة وغيرهما، كانوا منتجعين من أوطانهم التي هم بها من المغرب وغيرها من أشهر الربيع إلى مدينة تيهرت وأحوزها لما حولها من الكلأ»(75).
وفي الأزهار الرياضية يشير إلى المهمات الظرفية للجيش بقوله: «ثم شرع الإمام في شراء الكراع والسلاح، وقوي بيت مال المسلمين بالذخائر الحربية ومهمات الدفاع الوقتية، وتقوى الضعيف وانتعش الفقير...»(76)، حيث يشير الباروني إلى أن هناك مهمات الدفاع الوقتية أي التي تتغير من وقت إلى آخر، وعادة ما تظهر في فترة الحرب.
ويخصص للقسم الأول ـ أي الجند النظامي ـ رواتب تمنح لهم شهريا أو مخصصات يومية بطريقة منتظمة، في حين يحصل القسم الثاني على جزء من الغنائم، بناء على اتفاق مسبق يتم بين الدولة والمتحالفين معها من القبائل المختلفة، على غرار قبيلة لواتة وهوارة وصنهاجة(77).
كما أنه يمكن استنتاج أن الجيش الرستمي امتاز بالتنظيم، وقوة التعبئة خاصة في الفترة الأولى من حكم الأئمة العظام، حيث تجيب عنه الأحداث عندما قاد عبد الرحمن بن رستم جيشا من الإباضية قوامه خمسة عشر ألف مقاتل لحصار طبنة أثناء الصراع مع أبي الحوص القائد العباسي في إفريقية(78).
ثم ازداد الجيش تنظيما في عهد عبد الوهاب حيث يذكر ابن الصغير بقوله «...فعبأ عبد الوهاب عسكره، ورتب قواده...»(79)، كما يضيف ابن الصغير بقوله: «...ثم تقدم قدما وهو في ذلك كله قاصدا بكتيبته نحو عدوه... فلم يزل كذلك وعلى ذلك حتى فض جميع القوم بكتيبته»(80). ونستنتج من قوله أن الجيش كان ينظَّم في كتائب يعيَّن على كل كتيبة قائد، أو يقسَّم إلى طلائع حسب طبيعة جيش العدو(81).
كما يمكن أن نستنج آلاته، ووسائل دفاعه من استخدام للسيوف(82) والدروع(83) وحتى النبال(84) وبنى الحصون(85) والقلاع، والبروج الحربية(86)، واستخدم الخيول(87) واتخذ الرايات(88).
أما القيادة العامة للجيش فتعتبر من المسؤوليات الكبرى في الدولة، نظرا لإسناد هذه المهمة لرجل كفء، فكان اللجوء إلى الاختيار الدقيق لقياداته أمرا بالغ الأهمية، لما يتحمله القائد من مسؤوليات في اتخاذ القرارات الصائبة، التي تجعل منه عنصرا فاعلا، يتصرف بحنكة عالية عند كل طارئ يعترض جيشه، وفي أغلب الأحيان كان الأئمة الرستميون يتولون قيادته العليا بخروجهم على رأسه، كما هو الحال مع عبد الوهاب(89) وأفلح، خاصة في الفترة الأولى لتثبيت أركان الدولة وتدعيمها، أو قد يكلفون واليا من ولاة الأقاليم التابعة للدولة كإقليم نفوسة أو طرابلس(90)، أو يكلفون قاضي المنطقة بذلك(91) خاصة في فترات السلم أو في الفترة الأخيرة من ضعف الدولة الرستمية.
وبخصوص تعداد الجيش: فقد امتلك الرستميون جيشا كبيرا في أغلب الفترات الأولى، اتسعت نشاطاته لتشمل حواضر الدولة كلها، إلى جانب مهمته الرئيسية في تأمين الحدود، كما حدث في عهد الإمام عبد الوهاب الذي هدم المدينة الأغلبية الجديدة خوفا من غاراتهم القريبة، أو لفرض الأمن والاستقرار داخل الدولة بالتحكم في القبائل وفض النزاعات والمعارضة، مما جعل المصادر تذكر بعض تعداده بقولها: «جمع عبد الرحمن بن رستم خمسة عشر ألفا»، أو قول ابن عذارى «أن نفوسة منعت إبراهيم بن أحمد الأغلبي وكانت في عشرين ألف فارس»(92)، أو قول ابن الصغير: «فاجتمع إلى عبد الوهاب أمم كثيرة وخلق عظيم»(93)، وقوله: «خلق عظيم» يبين مدى تعداد الجيش.
ورغم أن أغلب المصادر تميل إلى تضخيم الأعداد إلا أنها عموما تعطينا صورة عن الجموع الإباضية المجندة والزاحفة للقتال، وهذا يبرز بوضوح اتباع الرستميين لأسلوب التعبئة والدعوة للنفير(94) والجهاد حتى الاستنجاد بالقبائل المتحالفة.
وحتى الباروني يصف جيش أبي اليقظان بقوله: «فأمدوه ملبين دعوته عرمرم جامع لكل همام»(95)، حيث يصفه بالقوة، رغم أنه لم يحدد عدده كما فعل ابن الصغير، واكتفى بنعته بجموع عظيمة، غير أنه ما يفهم من سير الأحداث أن هذا الجيش كان من القوة ما جعله يرجح كفة أبي اليقظان مع القوة المضادة له، وكان أغلبه من قبيلة نفوسة التي قدمت يد المساعدة ولبت نداء الاستنجاد، ولم تتحدث المصادر الإباضية عن عودة جيش نفوسة إلى الجبل بعد انتهاء مهمته في تثبيت حكم أبي اليقظان والقضاء على الفتنة(96).
ويقول محمد علي دبوز: «وقد خرجت هوارة يوما للحرب فعدوا في جندها ألف فارس أبلق – وهو الذي يجتمع فيه سواد وبياض، وهو نوع لا يكثر وجوده في الخيل – أما غير ذلك من ذي اللون الكثير فأضعاف هذا»(97).
أما بخصوص الخطط العسكرية، التي تعد أحد أهم الدعائم الأساسية للفن الحربي، إذ يعد النشاط العملي للجنود في المعركة، ويعرف بفن خوض المعارك، أي مهارات توزيع المقاتلين في ميدان المواجهة باستعمال مختلف الأسلحة والوسائل المتاحة للمناورة عسكريا وسياسيا، لتكبيد العدو أكبر قدر من الخسائر، وتجنب دفاعاته المضادة قدر المستطاع(98).
فمن أهم الخطط العسكرية والحربية، الطريق الذي اتبعه عبد الرحمن بن رستم للهرب من القيروان إلى جبل سوفجج رفقة ابنه عبد الوهاب، ثم تحصنه به(99)، وتفطن عبد الوهاب لخطة يزيد بن فندين للفتك به(100)، واستنجاد الإمام عبد الوهاب بإباضية نفوسة، والدهاء العسكري الذي جعله يطلب منهم أربعمائة نفر، منهم مائة من الفرسان للمبارزة، ومائة مفسر، ومائة متكلم، ومائة فقيه عالم بفنون الحلال والحرام، لأنه درس جيدا عدوه من الواصلية(101) وأثناء حصار الإمام عبد الوهاب لطرابلس استخدم عدة خطط عسكرية، ورغم أن المؤرخين لم يذكروها إلا أن الشماخي (ت: 928هـ) يشير إلى أن عبد الوهاب وجد متاعب كثيرة في أثناء الحصار بسبب عدم التكتم على الخطط العسكرية في معسكره(102).
وفي نفس النص لأبي زكريا الذي يتحدث فيه عن ثورة ابن فندين تبين لنا أن الجيش كان يقسم في بعض الأحيان حسب الحاجة، أو المعركة حيث خرج عبد الوهاب بجيشه من مدينة تيهرت، لكن ابن فندين تفاجأ بجيش آخر بقيادة ابن الإمام أفلح موجود بالمدينة ويدافع عنها مستخدما في جمعه أسلوب النفير(103)؛ لأنه لا يعقل المغامرة بكامل القوات في مواجهة واحدة، وترك المخاطر تهدد كيان الدولة في حال الهزيمة أو استغلال أطراف أخرى لتلك الظروف لصالحها.
أما في إمامة أفلح فقد وقعت معركة بين جنده بقيادة أبي عبيدة عبد الحميد والمنشق عنه خلف بن السمح، استخدم فيها خططا عسكرية مهمة، ذكرها الدرجيني (ت 670هـ / 1271م) بقوله: «...فلما قرب عسكره عسكر أبي عبيدة، تقدم رجل من أصحاب خَلَف ممن يرى تصويب أبي عبيدة وأصحابه تميل نفسه إليهم ويشفق عليهم، فقال لأبي عبيدة: تنح بأصحابك إلى سفح الجبل فإن كانت الدائرة لكم أدركتم ما رجوتم، وأمنتم ما خفتم، وإن تكن عليكم كنتم في حصن ولا يضركم ذلك، فقال أبو عبيدة لأصحابه: هذه نصيحة قد أخرجها الله من عدوكم وعدوه، فأمر أصحابه بالتنحي، وأسندوا ظهورهم إلى الجبل، فظن خلف أن ذلك عن جبن وهلع... فاقتتلوا قتالا شديدا وذلك عشية الخميس الثالث عشر من رجب سنة 211هـ/ 826م...وانهزم أصحاب خلف»(104).
كما وضعوا خطة عسكرية محكمة ضد عبيد الله الفاطمي عندما حاصر ورجلان سنة 297هـ/ 909م وحاول منعهم من الماء حتى يهلكوا عطشا عندما وضعوا قِصعا كبيرة وملؤوها زيتا ونصبوها على مواضع يراهم أهل العسكر، وجعلوا كأنهم يمنحون الماء ويصبونها للجمال تشرب، وكلما ضربت الجمال رأسها لتشرب وجدته زيتا فقنعت برؤوسها، وتنفض مشافرها، وتنثر أنوفها، فقال العسكر ما هذا إلا عن ماء جم، ففيم المقام؟ وارتحلوا(105).



المطلب الرابع: أسباب تدهور الجيش الرستمي:



وعموما يمكن تفسير أسباب تدهور الجيش في عهد الأئمة الأواخر إلى:
* يلخصها عبد الرحمن الجيلالي بقوله: «إن أكبر عامل في سقوط هذه الدولة هو اختلاف الكلمة بين الحكومة والشعب، وما انتشر عن ذلك يومئذ من الفتن والاضطرابات التي أضعفت من هيبة الحكومة أمام رعيتها، فتضعضعت بفقد جندها الحامي، مع إهمالها لتقوية الجيش»(106).
* تحطم قبيلة نفوسة التي كانت العمود الفقري للدولة في موقعة مانو(107) سنة 283هـ/896م ويعتبر النفوسيون الدرع الواقي للدولة والمادة العسكرية الأساسية، لهذا قال عنها الإمام عبد الوهاب: «إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاتة»(108).
وأمام هذه الضربات المتلاحقة، انهارت نفوسة التي كانت تشكل عصب الدولة الرستمية الحساس، ولم تعد لها تلك القدرة الغنية على مواصلة إمداد تاهرت اقتصاديا وعسكريا(109)، ومنذ ذلك العهد لم تعد نفوسة توافي الرستميين بالإمدادات، وكان لذلك أعظم الأثر في ضعف الجيش الرستمي واضمحلال الدولة(110).
*ولعل سبب عدم تكوين جيش لها في الفترة الأخيرة يعود إلى كثرة القبائل المنضوية تحت لواء الإباضية مما يصعب حتما جمعهم تحت قيادة واحدة وجيش واحد، وبضعف الأئمة تفشى نفوذ العصبيات القبلية، والطوائف المذهبية، حيث ازداد أثر هذه الطوائف، وخاصة في أواخر عصر بني رستم(111)، حيث عجز الأئمة الأواخر على التوفيق بين مختلف القبائل، ودارت الصراعات بين محاور متنوعة، تمثل مصالح القبائل المتعددة، فكثرت ضروب الولاء وأنواع التحالفات، بحسب ما تمليه المصالح، فكان مما حال دون انصهار هذه العناصر – في وحدة عسكرية واحدة – لتشبثها بانتماءاتها القديمة، بل لجأ البعض نتيجة الحذر إلى بناء حصون يأوون إليها في أيام الفتن(112).
* كما كان من الصعوبة بمكان اختيار الإمام ليجمع كل هذه المتناقضات القبلية، دون أن يكون ذلك لقبيلة على حساب الأخرى(113)، فانعكس ذلك على الوحدة العامة وتكوين جيش من مختلف القبائل.
فيذكر بعض كتاب الإباضية أنه عندما مر أبو عبد الله الشيعي على تيهرت خرج إليه من فيها من وجوه فرق الشيعة، والواصلة والصفرية والمالكية وقدموا له الشكاية في اليقظان، ووعدوهم بالإعانة بالمال والرجال، ورغبوهم في استئصال هذه العائلة وانتزاع الأمر من أيديهم لأنه لا رجال ولا عسكر لليقظان ولا قوة له، لإدبار الناس عنه بما وقع من قتل الإمام(114). وهذا دليل على أن تحول النظام إلى الوراثي نتج عنه ظهور معارضة تزداد أو تضعف، أثرت في كيان الدولة وانعكس على الجيش.
كما يبين نص الدرجيني أهمية الإمام في قوة أو ضعف الجيش بقوله: «ولما توفي عبد الوهاب تدانى العدو من تاهرت طمعا في الاستيلاء عليها، ورجوا الظفر بها وبأهلها لما ظنوه من عجزهم عن المدافعة، إذ أضحوا بلا إمام...»(115).
* العجز الدائم عن التخلص من الطابع القبلي المستفحل في المجتمع المغاربي عموما، فالقبائل سواء العربية أم البربرية تشترك في خصائصها ومميزاتها، حيث كانت تعتمد على جيش من المتطوعين، لافتقارها إلى نظام حضاري راق، رغم ما أدخله الأئمة الرستميون الفارسيون في البداية من أنظمة حضارية فارسية ومشرقية(116).
لكن صراع المصالح بين القبائل البدوية الطامعة في السلطة، ورغبات الفرس، وتطلعات الجند والعرب(117) لم تسمح بتوحيد صفوف الجيش وتنظيمه تحت قيادة واحدة وأساليب تدريب واضحة، وكما يقول أحد المؤرخين المحدثين بأن المجتمع الرستمي مجتمع بدوي تغلب عليه البداوة؛ ولذلك لم تقم فيه مؤسسات دولة بالمعنى الدقيق والمتعارف عليه لهذا المفهوم(118)، خاصة المؤسسة العسكرية.
* انحياز الدولة الرستمية بنفسها عن الدخول في صراع مسلح مع من جاورها من القبائل أو الدول، ورغبتها في العيش في دعة وسلام.
* كما تعرَّض الدكتور إحسان عباس لسبب مهم حسب النظرة السائدة في تلك الفترة، وهي النظرة الاجتماعية الاقتصادية، أن سبب ضعف الدولة وبالتالي الجيش هو «نشوء طبقة كبيرة من الأثرياء تتحدى قدرة نفوسة على تطبيق الأحكام وتمثل – رغم انقسامها أحيانا وتضارب مصالحها – قوة ضغط اقتصادي وسياسي(119).
ويضيف قوله: «ويبدو أن الجيش النظامي الذي كونه الإمام عبد الوهاب كان قد ضعف أو مزقته الانتماءات المتضاربة، إذ لم نعد نسمع شيئا عن الجند بعد تحوله في صف العرب ضد العجم أيام أبي بكر»(120)، وهو بذلك يشير إلى الصراعات العرقية التي تنامت في أواخر الدولة بين العرب والعجم وبين البربر والعرب والعجم معا.




الخاتمة:


إن أغلب الآراء الواردة في شأن الجيش الرستمي والمنكرة لوجوده، حكمت على الأمر بسطحية، أو من خلال النتيجة النهائية، وهي سقوط الدولة الرستمية بسهولة في يد الفاطميين الشيعة.
تتوفر الدولة الرستمية على كل مقومات وجود جيش نظامي وقوي، من عُدَّة وقيادة شُجاعة وحكيمة، وانتشار مختلف الصناعات المساهمة في توفر الأسلحة المتنوعة، إضافة إلى الرخاء المالي والاقتصادي للدولة، مما يسمح حتى باستيراد أو تمويل الجيش والتكفل بمرتبات الجند.
قسم الجيش الرستمي على غرار كل الدول المعاصرة لها إلى جيش نظامي ثابت قوامه العناصر التي اتخذت الجندية مهنة قارة لها، وجيش متطوع أثناء النفير، قوامه مختلف القبائل والرحل، كما امتاز الجيش الرستمي بالتنظيم والتعداد الكبير.
أما أسباب تدهور الجيش الرستمي في عهد الأئمة الأواخر فيعود إلى ضعف شخصيتهم واختلاف الكلمة وانتشار الفتن والاضطرابات، وتحطم عصب الدولة وهي قبيلة نفوسة بعد موقعة مانو.
من خلال كل ما سبق يتضح في تقديري أن الدولة الرستمية لم تخلُ في فترة ما من جيش يحمي حدودها ويقيم سيادتها، بل بالعكس بلغ أقصى قوته وتطوره في عهد الإمام عبد الوهاب، وظهر الجيش بنوعه النظامي والمتطوع، ولكنه يختلف تطور نظام الجيش وقوته من فترة لأخرى ومن عهد لآخر، حسب استقرار الدولة وقوتها، والتي تستمدها من قوة أئمتها وكثرة مواردها أو اختلالها، كما أن الصراعات القبلية وحتى المذهبية، والاقتصادية والمكانة الاجتماعية، والعرقية، أسهمت في عدم وجود جيش دائم ومنظم وقوي في فترات لاحقة، خاصة في أواخر حياة الدولة الرستمية.



المصادر:


1) ابن الأثير (أبو الحسن علي بن أبي الكرم، ت 630هـ /1232م): الكامل في التاريخ، دار الفكر، بيروت.
2) الباروني (سليمان بن عبد الله النفوسي): الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، بدون سنة الطبع.
3) البكري (أبو عبد الله بن عبد العزيز، ت 487هـ/1094م): المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، جزء من كتاب المسالك والممالك، مكتبة المثنى بغداد، مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857.
4) ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد، ت 808هـ/1405م): العبر وديوان المبتدأ والخبر، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
5) الدرجيني (أبو العباس أحمد بن سعيد، ت 670هـ/1271م): طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق الشيخ إبراهيم بن محمد طلاي، ط2، مطبعة البعث، قسنطينة، بدون سنة النشر.
6) أبو زكرياء (يحيى بن أبي بكر، ت 471هـ/1078م): كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق: إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1982/1402هـ.
7) الشماخي (أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد، ت 928هـ): كتاب السير، طبع حجري، قسنطينة، الجزائر، 1301هـ.
8) ابن الصغير المالكي (كان حيا أواخر القرن 3هـ): أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق: محمد ناصر، إبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1406هـ/ 1986م.
9) ابن عذارى (أبو عبد الله محمد المراكشي، ت في القرن 8هـ): البيان المغرب، تحقيق ج، س، كولان، إ ليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، ط 2، 1983.
10) المراكشي (عبد الواحد بن علي، ت 647هـ/1249م): المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، ومحمد العربي العلمي، الطبعة الأولى 1949.
11) اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب، ت 284هـ/897م): كتاب البلدان، طبعة ليدن، 1860.
المراجع:
1) أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، المطبعة العربية، الجزائر، 1350هـ.
2) أكرم ديري، وآخرون: الموسوعة العسكرية، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، ط 2، 1981، ج 1.
3) بحاز إبراهيم بن بكير: الدولة الرستمية، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، نشر جمعية التراث، القرارة، الطبعة الثانية، 1414هـ/1993م.
4) بوزيان الدراجي: دول الخوارج والعلويين في بلاد المغرب والأندلس، دار الكتاب العربي، 2007م.
5) صالح معيوف: جبل نفوسة وعلاقته بالدولة الرستمية، منشورات مؤسسة تاوالت، ليبيا، 2006م.
6) عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة السابعة، 1994، ج 1
7) عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، بدون تاريخ.
8) عزيزي عبد السلام: أكبر الاكتشافات والاختراعات في تاريخ البشرية، دار الإخوة مدني، الجزائر، 2001م.
9) علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، الإباضية في الجزائر، مطبعة الدعوة الإسلامية، مكتبة وهبة، القاهرة 1399هـ/1979م.
10) محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير، مؤسسة تاوالت الثقافية، ليبيا، 2010، ج3.
11) محمد عيسى الحريري: الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي، دار القلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1408هـ/1987م.
12) محمود إسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب، نشر وتوزيع دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط 2، 1406هـ/1985م.
13) مسعود مزهودي: جبل نفوسة من انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى المغرب، منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية، ليبيا، 2006م.
14) هندي إحسان: الحياة العسكرية عند العرب أو الجيش العربي في ألف عام (500- 1500م) دراسة تاريخية عسكرية لنظم التعبئة وفنون القتال والأسلحة عند العرب منذ الجاهلية إلى الفتح الإسلامي، مطبعة الجمهورية، دمشق، طبعة 1964.


المراجع المترجمة:


1) ألفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمه عن الفرنسية عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1981.
2) شارل أندري جوليان: تاريخ إفريقيا الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة، الدار التونسية للنشر، 1983م، ج2.
3) فرنان شنيدر: تاريخ الفنون العسكرية، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، ط 1، 1970م.
4) كاستلان جورج: تاريخ الجيوش، ترجمة كمال الدسوقي، نشر مكتبة النهضة العربية، القاهرة، مصر، ط 1956م.
5) Bekri Chikh: Le Kharijisme Berbère, Quelques Aspects du Royaume Rustumide, Annales de l’institut d études Orientales (A. I. E. O) Université d Alger, Tome XV, Alger, 1957.
المجلات والدوريات:
1) إحسان عباس: المجتمع التاهرتي في عهد الرستميين، مجلة الأصالة، العدد 45، ماي 1395هـ/1975م.
2) ش. أحمد: الفكر العسكري الحديث، مجلة الجندي، المركز التقني للاتصال والإعلام والتوجيه، سطاوالي، الجزائر، العدد 206، 11 ديسمبر 1999.
3) قدور وهراني: جوانب من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمدينة تاهرت من خلال كتاب ابن الصغير، مجلة التراث العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 106، 2007م.
4) محمود الربداوي: مقومات النصر، مجلة التراث العربي، العدد88، شـوال 1423هـ/ كانون أول (ديســمبر) 2002م.

--------------------
الهوامش
1) بعثه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بعد مقتل الأغلب بن سالم إلى إفريقية الذي وصلها سنة 151هـ/ 768م وعرف بلقب هزارمرد والتي تعني ألف رجل وهدأت الأحداث في عهده واستقرت الأمور طيلة ثلاث سنوات، فأغراه ذلك فأراد التوجه إلى طبنة قعادة إقليم الزاب لتحصينها وحماية القيروان، فأحس عبد الرحمن بن رستم بخطر ذلك فنسق مع جماعات الخوارج والبربر وزحفوا نحو القيروان، فقتلوا حبيب بن حبيب المهلبي، ثم توجهوا نحو طبنة وحاصروها، فعمد عمر بن حفص إلى الحيلة لتفريق هذا الجمع، بإرشاء أخ أبي قرة الصفري الذي عاد بالجيش، فلم يبق إلا جيش عبد الرحمن بن رستم، الذي باغته وألحق به هزيمة، فتراجع إلى إقليم تاهرت، فكانت هذه الهزيمة نقطة تحول في تاريخ قيام الدولة الرستمية. ينظر: محمد عيسى الحريري: الدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي، دار القلم للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 1408/ 1987، ص 87- 91.
2) منها دراسة الدكتور جودت عبد الكريم يوسف: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، وكتاب الدكتور مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط، وكتاب محمد عيسى الحريري الموسوم بالدولة الرستمية بالمغرب الإسلامي حضارتها وعلاقتها الخارجية بالمغرب والأندلس، وكتاب الدكتور بحاز إبراهيم بكير بعنوان: الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية.
3) باستثناء إشارة خفيفة من أبي زكرياء والباروني نقلا عنه، عند الخروج لاستقبال أبي عبد الله الشيعي الذي لم يجد مقاومة تذكر: أبو زكرياء: كتاب سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1402هـ/1982م، ص 169. الباروني: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، ج2، 292.
4) ولد في سنة 1873، اهتم بالأدب، ثم اتجه إلى التاريخ الإسلامي في الشمال الإفريقي، واستلزم ذلك العناية بالآثار، والنقود والخزف، وصل إلى مراكش سنة 1914 وهو في تمام نضجه وعاش في مدينة فاس وأصدر كتبا عنها، ثم أقام بتلمسان، ثم عاد إلى مكناس سنة 1942، وتوفي بها في 18 فبراير 1945، وكانت أول دراسة في ميدان الدراسات الإسلامية عن الجزية، كما ألف 12 مجلدا وحوالي ستين مقالة، لكن أهم كتبه هو الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي. عبد الرحمن بدوي، مقد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مي
طالب(ة) جديد(ة)
طالب(ة) جديد(ة)


انثى
عدد المساهمات : 7
العمر: 10
تاريخ التسجيل: 17/06/2010
السٌّمعَة: 1
نقاط: 1515

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الرستمية   الأحد 11 مارس 2012 - 14:23





كما يمكن للمهتمين بالموضوع او الباحثين فيه ان يستفيدوا من هدا الكتاب

بادن الله تجدوه بالمكتبات ....فقط اريد ان اضع نبدة عنه

و هو للدكتور إبراهيم بحاز









بحاز إبراهيم بن بكير.
الدولة الرستمية، دراسة في الأوضاع السياسية والحياة الاقتصادية.
ط 2، 1414هـ/1993م.
475 ص، مق: 228×157 مم.



يتناول الكتاب بالدراسة الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية للدولة الرستمية التي قامت بالمغرب الأوسط سنة 160هـ/777م.
فاستهل الباحث دراسته بمبحث عرض فيه أهم المصادر والمراجع التي تناولت الدولة الرستمية مع تحليل لها وتقييم لمعلوماتها، أعقبه بمدخل عن الأوضاع السياسية السائدة في العالم الإسلامي من سقوط الدولة الأموية وصعود الدولة العباسية وثورات الخوارج.
وتضمن الباب الأول على أربعة فصول دار الحديث فيها عن المذهب الإباضي ونشأته وعقائده، ثم عن العاصمة تيهرت ونشأة الدولة الرستمية وأسباب اختيارها، ثم عن حياة عبد الرحمان بن رستم وحدود دولته والأوضاع السياسية العامة التي مرت بها.
وانفرد الباب الثاني بالجانب الاقتصادي عند الرستميين من زراعة وصناعة وتجارة، ودور الطبيعة الجغرافية في النشاط الاقتصادي، وظهور الأسواق ونشاط بيت المال وبيت الزكاة.
وكان الباب الثالث للحياة الفكرية بداية بدور الحكام فيها والمؤسسات التعليمية من كتاب وحلقات ومكتبات... وأبرز العلوم فيها، ودور المرأة في هذه الحياة، ليختم الدراسة بالعلاقات الثقافية التي تربط الدولة الرستمية بالدول المجاورة لها.





السيرة الذاتية للدكتور إبراهيم بحاز
الأحد, 13 يوليو 2008 19:41 إدارة الموقع
أولا: تاريخ الميلاد ومكانه: ‏
‏14 أوت 1956م الموافق يوم الجمعة 03 محرم 1376هـ غرداية / الجمهورية الجزائرية.‏

ثانيا: الوضعية الأسرية:‏
متزوج، وأب لستة أولاد .‏

ثالثا: الشهادات المحصَّل عليها:‏
‏1.‏ بكالوريا آداب، دورة جوان، قسنطينة / الجزائر، 1977.‏
‏2.‏ ليسانس التاريخ، جامعة منتوري قسنطينة / الجزائر، 1980.‏
‏3.‏ ماجستير في التاريخ الوسيط الإسلامي، جامعة بغداد / العراق، 1984.‏
‏4.‏ دكتوراه دولة في التاريخ الوسيط الإسلامي، جامعة منتوري قسنطينة/ الجزائر، جويلية 1997.‏


لمعلومات اكثر عن سيرة الدكتور



من هنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مي
طالب(ة) جديد(ة)
طالب(ة) جديد(ة)


انثى
عدد المساهمات : 7
العمر: 10
تاريخ التسجيل: 17/06/2010
السٌّمعَة: 1
نقاط: 1515

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الرستمية   الأحد 11 مارس 2012 - 14:28





نشأة الدولة الرستمية



بلادي هي الدولة الرستمية التي نشأت في نهاية سنة 155 للهجرة وبداية 156 للهجرة في المغرب الاوسط ( الجزائر )، وعاصمتها هي تيهرت ، هذا وأود أن انبه انه توجد في الجزائر حاليا مدينة تسمى تيهرت ولكنها تبعد 9كلم عن تيهرت القديمة والتي كانت عاصمة للدولة الرستمية وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة بحوالي 430 كلم.

وقد اختلف الباحثون في اسم تيهرت منهم من أسماها تايهرت ومنهم من أسماها تيهرت من غير ألف ، والاسم الثاني هو الصحيح الذي مال إليه كل من الدكتور محمد ناصر والأستاذ إبراهيم بحاز انظر أخبار الائمة الرستميين لابن الصغير ص28 .

هذا واسمحوا لي أن استعرض معكم كيف نشأت هذه الدولة الإسلامية الخالدة والتي للأسف الشديد أهملها كثير من المؤرخين السابقين أو المعاصرين إلا من رحم الله ، إما لتعصب مذهبي مقيت أو لجهلهم بها فلم يكلفوا نفسهم عناء البحث والتقصي المنصف عنها ، بالرغم من أنها امتدت أكثر من الدولة الأموية والعباسية المحسوبتان على الإسلام وأفعال ملوكها لا تخفى عن كل ذي لب.



الإمام المؤسس لها هو الإمام عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى أنو شروان الملك الفارسي المشهور . واستمرت قائمة شامخة حتى عام 296 للهجرة أي ما يقارب من 140 عاما إلى أن سقطت على يد من أكل قلبه الحسد وأعماه التعصب المذهبي وهو أبو عبدالله الشيعي فقتل كثيرا من أهلها وشيوخها ونسائها وأطفالها الأبرياء ولم يراعي فيهم أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله التي يعصم بها دم المرء ، ولا نقول إلا وعند الله تجتمع الخصوم .


ولد الإمام عبدالرحمن في العراق من أب فارسي من سلالة كسرى الملك الفارسي المشهور ، هاجر أبوه إلى المغرب وأخذه معه وأمه ، إلا أن أباه مات في الطريق بالقرب من مكة ، التقى وأمه بالحجاج القادمين من المغرب فتزوجت أمه بواحد منهم من القيروان ، فهاجر بهم إلى القيروان ، وهكذا ولد إمامنا العادل عبد الرحمن بن رستم من أب فارسي ونشأ نشأة عربية إسلامية .

وحين بلغ عبد الرحمن عنفوان الشباب تناهى إلى مسمعه ظهور أناس مجددين في المشرق يدعون إلى إقامة شرع الله في الأرض ونشر العدل وإغاثة الملهوف ورد الظالم ، وعلى رأسهم عالم جليل اسمه أبو عبيده مسلم بن أبي كريمة رضي الله عنه الإمام الثاني للمذهب الإباضي ، وفي هذه الفترة بدأ المذهب الإباضي بالانتشار في المغرب عن طريق الداعية سلمة بن سعد ، الذي دل الشاب عبدالرحمن المتعطش للعلم على الإمام أبى عبيدة ، فطار عبدالرحمن إلى بحر العلوم للعب من معينه الصافي وكأنه يعد نفسه للأمر الجلل الذي سيلقى على عاتقه بإقامة دولة اعادت للقلوب ذكريات أولئك العظماء الذين تربوا في أحضان النبوة من أمثال الصديق والفاروق.

كانوا خمسة من طلاب العلم باعوا أنفسهم لله والله اشترى ، أربعة من المغرب والخامس من اليمن واسمه أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، وأما الأربعة الذين من المغرب فكان من بينهم عبدالرحمن ، التقوا هؤلاء جميعا عند الإمام أبي عبيدة في البصرة ، وكان هذا في عام 135 للهجرة ، وظلوا معه لمدة خمس سنوات يعبون من معينه الصافي في سرداب تحت الأرض ، وذلك خوفا من أذى الدولة الأموية المحسوبة على الإسلام والتي ما فتئت تتعرض بشتى صنوف التعذيب والأذى والقتل لمن خالفها في عقيدتها وتوجهاتها وإن كان ممن ينطق بالشهادتين .




وبعد أن عبوا من العلم الصافي واخذوا ما شاء الله لهم من العلم خرجوا من السرداب في عام 140 للهجرة ، وعادوا إلى المغرب ومعهم أبو الخطاب المعافري وقد أوعز إليهم الإمام أبو عبيدة أن يبايعوه إماما عليهم حين تسنح لهم الفرصة ، ومما يدل على خروجهم من عند أبي عبيدة وقد تبحروا في العلوم قصة تروى عن أحدهم وهو إسماعيل ابن درار الغدامسي مع إمامه أبي عبيدة كما ذكرها الدرجيني في الطبقات ص 211 : ( ... فلما أرادوا الخروج من عنده هيأ الشيخ المركوب لتوديعهم ، ووضع رجله في الركاب - أي إسماعيل الغدامسي وضع رجله في الركاب - فسأله إسماعيل عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قبل أن يستوي على متن الدابة ، فقال له أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار ؟ قال له : أرأيت إن ابتليت بذلك ! فبماذا تأمرني يرحمك الله ؟ .... ) .

انطلقوا ميممين شطر المغرب لإقامة شرع الله ، وبعد أن انهوا خمس سنوات مع إمامهم عادوا إلي المغرب تسبقهم أشواقهم لإقامة شرع الله وإحياء سنة رسول الله ، هذا وقد وضعوا الخطط السياسية المحكمة ، واعدوا القبائل البربرية لتستعد للثورة وتعلن الإمامة ، وهيئوا العدة العسكرية والبشرية لإنجاح هذه الثورة ، ولما وصلوا إلي المغرب ، فلما أحسوا أن الفرصة قد واتتهم وريحهم قد هبت بادروا بمبايعة أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري ، حيث أن الإمام أبا عبيدة أوعز إليهم بذلك وأمرهم بقتله إن رفض ، وهذا يذكرنا بما حدث من الإمام السالمي رحمه الله عند رفض الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله قبول البيعة فأمر الإمام السالمي أبا زيد الريامي بضرب عنق الإمام سالم مما اضطر الإمام سالم إلى أن يقبل البيعة وهو يبكي رحمه الله ، ولما سئل الإمام السالمي عن الدليل الذي استند إليه في ذلك اخبرهم بما ورد عن الإمام أبي عبيدة من أمره طلابه بقتل أبي الخطاب إن رفض البيعة لما في ذلك من مفسده لأمر المسلمين .

هنا لم يجد أبو الخطاب مفرا من قبول البيعة ، وتمت البيعة له وكان ذلك في عام140 للهجرة ، وكانت المغرب في تلك الفترة واقعة تحت نير الدولة العباسية ، وبعد أن استمرت إمامة أبي الخطاب أربع سنوات ذاق فيها المسلمون طعم الأمان والعدل وإقامة شرع الله ولكن ما لبثت جيوش أبي جعفر المنصور أن وصلت إلى إفريقية بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي ، ولم يجد أبو الخطاب عناء في صد هذا الجيش العباسي ورده مهزوما ، ولكن ما لبث أن أعاد الكرة بجيش قوامه أربعون ألفا ، واستطاع أبو الخطاب التغلب عليه بفضل الله مرة ثانية وصدق الله حين قال : (( .... كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين )) البقرة : 249 .

وهنا لجأ ابن الأشعث إلى الحيلة والخيانة ، وهذا ديدنهم فهو ليس بغريب على أمثالهم ، وليس بعيد عنا ما حدث للتابعي الجليل أبي بلال مرداس بن حدير التميمي وأصحابه الأربعين من بني أمية وقائدهم ابن زرعه الذي انهزم أمام أربعين رجلا بالرغم من أنه على رأس ألف جندي وكان حريا به أن ينهزم ، فان أبا بلال وأصحابه الأربعين الرجل فيهم عن ألف رجل ، فبعث بنو أمية إليه بقائد جديد وهو عباد بن اخضر على رأس أربعة آلاف جندي فلم يتغلب على أبي بلال وأصحابه مما اضطره إلى اللجوء إلى الخيانة فهجم على أبى بلال وأصحابه وهم يؤدون صلاة الجمعة فخان العهد حيث انهما اتفقا على وقف القتال إلى حين أن ينتهي الجميع من أداء صلاة الجمعة فأين هي عهود المسلمين ، وهنيئا لتلك الأجساد الطاهرة الجنة التي استشهدت خاشعة بين يدي رب العزة والجلال .

وهذا ما حدث كذلك للإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله وأصحابه حين هجم عليهم الجيش العباسي بقيادة خازم بن خزيمة فقاتلوهم ولم يتمكنوا منهم ، فلجأ خازم بن خزيمة إلى الغدر والمكيدة ، فأمر بإحراق بيوت الجلندى وأصحابه وكان بها الأطفال والنساء والشيوخ فأي دين هذا الذي يأمر بقتل الأطفال والنساء والشيوخ؟! وما الفرق بين هؤلاء وبين ما يفعله اليهود في فلسطين وما تفعله الدول الغربية في العراق وما يفعله الصرب في مسلمي البلقان .

إذا فالغدر ديدنهم فهم لا يقوون على المواجهة رجلا لرجل ، نعم لجأ ابن الأشعث إلى الغدر حين علم ألا طاقة له بالتغلب على هذه الثلة المؤمنة إلا بالخيانة فتظاهر بالانسحاب إلى المشرق ، وتفرق جيش أبي الخطاب الذي كان من الأهالي والفلاحين الذين عادوا إلى مزارعهم في موسم الحصاد ، مما سهل على ابن الأشعث القضاء على من بقي مع أبي الخطاب فقتلهم جميعا والله المستعان على ذلك وعند الله تجتمع الخصوم.

في تلك الأثناء كان عبد الرحمن بن رستم واليا على القيروان من طرف الإمام أبي الخطاب ، وكان في طريقه لنصرة الإمام ولكنه علم بموت الإمام مما اضطره للفرار إلى المغرب الأوسط بصحبة ابنه عبد الوهاب وخادمه ،وظل سائرا بين القبائل الاباضية متخفيا سالكا طريقا وعرة من جنوب الجزائر وقطعها من شرقها إلى غربها إلى حين وصوله إلى جبل يدعى سوفجج ، وقد وجد إمامنا المنتظر أنصارا له في الطريق ساروا معه إلى الموقع المذكور ، ولحق به ابن الأشعث وظل يحاصر الجبل المنيع إلى أن يأس من اقتحامه فرجع جارا أذيال الهزيمة . وظل عبد الرحمن هنالك بين أنصاره من القبائل البربرية حتى إذا اجتمع حوله من أهل العلم والصلاح من يثق بهم ، ووجد نفسه قادرا على الشروع في بناء دولته اتجه نحو موقع ( تيهرت ) وشرع في بناء دولته الشامخة في نهاية 155 للهجرة وبداية 156 للهجرة .

اجتهد إمامنا المرتقب ومن معه على إيجاد مكان مناسب لبناء مدينة مثالية تحصنا ومنعة وهواء وجمالا وكان الموقع المختار أشجارا وأحراشا ومرتعا لأنواع السباع والوحوش .

ويروى أن عبد الرحمن وأصحابه لما اعتزموا بناء مدينة تيهرت بهذا المكان المغطى بغابة كثيفة كانت مأوى للوحوش ، كلف أحدهم بان ينادي بأعلى صوته ثلاث مرات في ثلاثة أيام : أيتها الوحوش إنا نريد أن نعمر هذا المكان فمن يريد السلامة فليخرج منه ، وعلى إثر هذا النداء شاهدوا السباع والوحش تحمل أشبالها في أفواهها خارجة من الغابة. وهذا ليس بغريب على من آمن بالله حق الإيمان واتبع منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأخيار ، فقد وقع مثل هذا للصحابة والتابعين عندما أرادوا تأسيس مدينة القيروان كما هو معلوم.





بعد أن قام إمامنا المرتقب عبد الرحمن ومن معه ببناء دولتهم الإباضية الشامخة الذكر ، ازدهرت المدينة واشتهرت بحسن جمالها وامتياز موقعها ، مما جعل الكتاب والرحالة يشيدون بوصفها ، من ذلك وصف المقدسي لها حيث قال : (( .... هي بلخ العرب ، قد أحدقت بها الأنهار والتفت بها الأشجار وغابت في البساتين ونبعت حولها الأعين وجل بها الإقليم وانتعش فيها الغريب واستطابها اللبيب يفضلونها على دمشق وقد أخطو ، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا ، هو بلد كبير كثير الخير رحب رقيق طيب رشيق الأسواق غزير الماء جيد الأهل قديم الوضع محكم الرصف عجيب الوصف .... )) . أنظر المقدسي : أحسن التقاسيم ، ص 228 .

وقد استمرت هذه الدولة الفتية في التطور والازدهار ، حتى اشتهرت في الآفاق وعرفت بـ ( عراق المغرب ) ، وفي عام 160 للهجرة استأنس الإباضية من أنفسهم قوة ووجدوا أنهم يملكون كل المقومات المادية والأدبية لإعلان إمامة الظهور ، فنظروا لمن يتولى الأمر فلم يجدوا أليق ولا أبرز من عبد الرحمن بن رستم رحمه الله لسابقته ودينه وعلمه ، وتمت البيعة له ، وهكذا يكون الإمام عبد الرحمن بن رستم رحمه الله أول إمام لأول دولة إسلامية إباضية في المغرب الأوسط (الجزائر ) عرفت في التاريخ بالدولة الرستمية .

وكانت الدولة الرستمية دولة إباضية تستظل بها جميع القبائل المعتنقة لهذا المذهب إضافة إلي غيرها من القبائل والمذاهب الداخلة ضمن حدودها ،وكان جميع سكانها من مختلف المذاهب يعيشون بحرية تامة ولهم منازلهم ومساجدهم الخاصة التي يتعبدون بها وفق ما يرونه صحيحا دون أن تمس حرياتهم أو تجرح مشاعرهم ، وكانت تجري بين العلماء من مختلف المذاهب المناظرات وكان يحضرها العام والخاص ، ولنستمع إلى ما قاله ابن الصغير في الدولة الرستمية ، وابن الصغير هذا من الشيعة وقد عاش في هذه الدولة وعني بكتابة تاريخها ، فكان من ضمن ما قاله عنها : (( ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لمل يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانة على ماله ونفسه ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي ، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي ، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم ، وهذا مسجد البصريين ،وهذا مسجد الكوفيين )) ، أنظر : أخبار الأئمة الرستميين لإبن الصغير ، ص36 .

هذه شهادة من رجل يعتنق مذهبا مخالفا لمذهب أهل الحق والاستقامة فما الذي دفعه لأن يثني عليهم ويصفهم بما وصف إلا ما رآه بأم عينيه من عدلهم وإنصافهم وإقامتهم لشرع الله وتطبيقهم لسنة رسول الله .

وهنا سؤال يطرح نفسه أين ملوك بني أمية ما خلا عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ، وملوك بني العباس من هؤلاء الأئمة؟! وأين أفعالهم من أفعال هؤلاء؟! ، وأين دولهم من هذه الدولة؟! ، فإن المتأمل لدولة بني أمية وبني العباس يجد أنهم مارسوا أشد أنواع التعذيب والقهر والكبت لمن خالفهم في المعتقد فلم يتورعوا في قتله والتنكيل به وإهلاك ماله وذريته بل يصل الأمر ببعضهم إلى القتل بالظنة ، وكتب التاريخ مليئة بجرائمهم ولا داعي لذكرها فهي لا تخفى عن كل ذي لب ، حتى بيت الله الحرام لم يسلم منهم ، ونكتفي بذكر ما عاناه الإمام أبو عبيدة رحمه الله منهم مما اضطره أن يدرس طلابه في سرداب تحت الأرض وكانوا يتخفون بلباس الباعة والنساء حتى يصلوا إلى سردابهم فأي قهر أشد من هذا القهر وأي كبت لحرية العبادة أشد من هذا الكبت ، ثم يأتي من يلبسهم لقب خليفة المسلمين والإسلام من أفعالهم براء.

وكنت أتصفح مآثرهم التي خلفوها للأجيال الإسلامية لتتأسى بهم في كتاب العقد الفريد لأبن عبد ربه والذي يحضر في ذاكرتي الآن من مآثرهم الخالدة ، تحدث إبن عبد ربه عن خليفتهم الراشد هارون الرشيد فقال : " وكان رحمه الله له قينة يتردد عليها " أتعرفون ما معنا القينة يا أحفاد الفاروق والصديق ، إن اسم القينة يطلق على المرأة العاهرة . هذا هو الخليفة الراشد " رحمه الله " !!!!!!!!!!!!

وسأراجع الموضوع في كتاب العقد الفريد حتى أتي بنص كلام إبن عبد ربه ،
فمن هو الذي يستحق أن يوصف بالمذهبي الإباضية أم هؤلاء ومن هو الذي يستحق أن يلقب بالخوارج الإباضية أم هؤلاء، سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.


ولقد استمرت هذه الدولة الشامخة في جبين الدهر لما يقرب من 140 سنة ، منذ أن نشأت في عام 156 وحتى عام 296 للهجرة ، أي أكثر من عمر الدولة الأموية والدولة العباسية رصعت خلالها الكثير من الآيات والعبر ما يستحق أن يكتب بماء الذهب ويرصع به جبين الدهر .

وبالنسبة لما قدمته هذه الدولة للأمة الإسلامية من خدمة لها ، وإعلاء لراية الإسلام بتطبيق شرع الله سبحانه وتعالى ، فإنه حري بالدول التي جاءت من بعدها والتي ستأتي أن تقتدي بها وبأئمتها الأجلاء .

وقد تولى الحكم في هذه الدولة أئمة عظماء أحيوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان أولهم المؤسس لهذه الدولة وهو الإمام الجليل عبد الرحمن بن رستم رحمه الله كما أسلفنا ، ثم تولى من بعده إبنه الإمام عبد الوهاب رحمه الله ، ولم يبايع بالإمامة لكونه إبنا للإمام السابق كما يظن البعض ، فإن المقياس عند الإباضية هو التقوى وليس النسب ، ولما توافرت في الإمام عبد الوهاب المواصفات التي تأهله لهذا المنصب الخطير لم يتأخر العلماء من أهل الحل والعقد في مبايعته .

ومن أئمة هذه الدولة الإمام أفلح بن الإمام عبد الوهاب رحمهما الله ، وغيره من الأئمة العدول ، وكان آخر أئمة هذه الدولة هو الإمام اليقظان بن أبي اليقظان .

ولكن أصحاب القلوب المريضة ، والنفوس السقيمة ، لم يقر لهم قرار وهم يرون هذه الدولة الشامخة فوق ذرى السحاب ، تعيش في أمن وسلام مع أهلها من مختلف المذاهب ، وتحقق الانتصارات تلو الانتصارات ، ولم يستطيعوا تحمل الحسد والحقد المشتعل في صدورهم من رؤية الدولة الرستمية يقصدها الوراد من كل حدب وصوب ، ليعيشوا فيها تحت ظل الأئمة الإباضية المطبقين لشرع الله ، فانفجرت نفوسهم بكل ما حوته من سموم ، وراحوا يحرقون كل ما وجدوه في طريقهم ، ويبيدون الأخضر واليابس ، فلم يسلم منهم لا الأطفال الرضع ،ولا النساء الرتع ، ولا الشيوخ الركع.

بعد أن استمرت هذه الدولة الإسلامية لما يقارب من 140 عاما ، جسدت فيها معنى الدولة الإسلامية على حقيقتها ، وأحيت سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ، وسيرة صحابته الكرام رضوان الله عليهم .

ولكن شاءت مشيئة الله تعالى أن لا تستمر هذه الدولة لحكمة عنده ، فهجم عليها من انفجر قلبه بالحقد والحسد والغيض على هذه الدولة العادلة التي عاش تحت كنفها أصحاب مختلف المذاهب أحرارا يمارسون عبادتهم بكل حرية في مساجدهم الخاصة ، فأي عدل بعد هذا العدل ، وأي إنصاف بعد هذا الإنصاف .

هجم عليها المسمى أبو عبدالله الشيعي داعية الفاطميين ، فعاث فيها فسادا ، وقتل ، وشرد ، وانتهك الأعراض ، ولم يراعي في أهلها إلا ولا ذمة ، ولم يراعي فيهم أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , فقتل منهم من قتل وأسر من أسر وتشرد الباقون في الصحاري والجبال . والله المستعان على ذلك وعند الله تجتمع الخصوم .

ولم يكتف بذلك ، بل صب جام حقده الأسود على ما خلفته هذه الثلة المؤمنة من تراث ، فقام بإحراق مكتبة المعصومة ، مكتبة الدولة الرستمية ، بعد أن سرق ما فيها من الكتب الرياضية والصناعية والفنية ، وأحرق الباقي وقضى بذلك على تراث عظيم ، كان سيعود بالفائدة العظيمة على أبناء هذه الأمة .

ولا نقول إلا إن لله وإن إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .

وهنا سؤالا يطرح نفسه ، ويحتاج إلى إجابة منصفة له من منصف ، والسؤال هو :

هل هناك فرق بين ما قام به هذا المجرم المحسوب على هذه الأمة من قضاء للدولة الرستمية ، هذه الدولة العادلة التي آوت من هم على نحلته وأنصفتهم وحفظة حقوقهم ، وما قام به من إحراق لمكتبتها المعصومة ، وما قام به التتار من القضاء على الدولة العباسية وإحراق مكتبتها دار الحكمة ، مع الأخذ بعين الاعتبار البون الشاسع والفرق الواسع بين الدولة الرستمية والدولة العباسية !!!!!!!!!!

المصادروالمراجع :

1-مختصر تاريخ الاباضية ، الباروني ، ص34 -49 ، مكتبة الضامري - سلطنة عمان .
2- منهج الدعوة عند الاباضية ، د- محمد ناصر ، ص149-156 ، مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان .
3-كتاب السير ،ج1 ، ص124-126 ، الشماخي ، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان .
4- طبقات المشائخ بالمغرب ، ج1 ، ص12-46 ، الدرجيني .
5- الدولة الرستمية ، إبراهيم بحاز ، نشر جمعية التراث ، الجزائر 1988م .
6-أخبار الأئمة الرستميين ، ابن الصغير ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1986م .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الدولة الرستمية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» درس الدولة: محور مشروعية الدولة وغاياتها
» الوظيف العمومي - الدولة تفتح 64995 منصب عمل هذه السنة على اساس مسابقات مفتوحة

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
.:Ƹ̵̡ӝ̵̨̄ʒ:. منتديات طلبة جامعة منتوري قسنطينة .:Ƹ̵̡ӝ̵̨̄ʒ:. ::  :: -